منذ الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد أكثر من عامين من حرب الإبادة، عمد الاحتلال الإسرائيلي إلى ترسيخ معادلات مغايرة تماماً لتلك التي كانت قائمة قبل السابع من أكتوبر 2023.
وتحوّل سلاح الاغتيالات التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي في غزة إلى ظاهرة يومية حيث لا يكاد يمضي يوم في القطاع من دون عملية اغتيال أو عمليتين في صفوف الكوادر المحسوبة على المقاومة أو حتى الأجهزة الأمنية والشرطية.
وفي الفترة الأولى التي تلت توقيع الاتفاق، كان الاحتلال يستخدم المبررات والذرائع لتمرير الاغتيالات خصوصاً بعد المطالبات الدولية المتكررة بوقف الحرب.
وكانت هذه الذرائع منحصرة ما بين" إحباط هجوم محتمل" أو" استهداف كادر مرتبط بعمل عسكري خلال عملية طوفان الأقصى يوم السابع من أكتوبر"، أو" حماية الجنود" قرب" الخط الأصفر"، على الرغم من النفي الفصائلي المتكرر لهذه الذرائع.
غير أنه في الشهرين الماضيين وبعد اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، أخذت الاغتيالات شكلاً مغايراً من الناحية الميدانية، حيث تحوّلت إلى حدث يومي شبه ثابت إلى جانب تراجع الاحتلال عن تقديم الذرائع والمبررات.
وأضحى الاحتلال يعمل على تنفيذ عمليات الاغتيال من دون أن يعلن عن مسبّبات، فيما يشهد القطاع حالة من التوتر وارتفاعاً في منسوب القلق لدى الفلسطينيين من عزم الاحتلال استئناف حربه كما جرى مع لبنان.
ويربط الفلسطينيون ذلك، بالطرح الذي قدّم عبر" مجلس السلام" أخيراً لحركة حماس والفصائل الفلسطينية بشأن نزع السلاح، في الوقت الذي لم يلتزم فيه الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ جميع بنود المرحلة الأولى.
ويوم الأحد الماضي، قال المتحدث العسكري باسم" كتائب القسام"، أبو عبيدة، إن" ما يحاول العدو تمريره اليوم على المقاومة الفلسطينية وشعب غزة من خلال الوسطاء، هو أمرٌ بالغ الخطورة، والمطلوب الضغط على الكيان لاستكمال التزاماته في المرحلة الأولى، قبل الحديث حول بنود المرحلة الثانية".
وأضاف أبو عبيدة أن طرح ملف سلاح المقاومة" بهذه الطريقة الفجّة" يمثل محاولة مفضوحة لمواصلة الإبادة بحق الشعب الفلسطيني، مشدداً على أنّ ما عجز الاحتلال عن انتزاعه بالحرب والدبابات لن يتمكن من تحقيقه عبر السياسة أو طاولة المفاوضات.
ووفق معطيات وزارة الصحة في غزة، فقد بلغ إجمالي الشهداء منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي 723 شهيداً، إضافة إلى 1990 إصابة و759 حالة انتشال.
أما على صعيد الحصيلة التراكمية منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023، فقد ارتفع عدد الشهداء إلى 72302، مقابل 172090 إصابة.
سليمان بشارات: المقاربة الإسرائيلية تجاه جبهة قطاع غزة تقوم على إبقائها جبهة مفتوحةوقال الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي سليمان بشارات إن المقاربة الإسرائيلية تجاه جبهة قطاع غزة تقوم على إبقائها" جبهة مفتوحة"، بمعنى أنها تظل قابلة للتصعيد في أي وقت، وفقاً لتطورات الميدان والاحتياجات الإسرائيلية.
وأضاف بشارات لـ" العربي الجديد" أن هذه السياسة لا تقتصر على غزة فقط، بل تمتد إلى مختلف الساحات، من لبنان إلى إيران واليمن وسورية، حيث تتبنى إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023 مفهوم" الجبهات المفتوحة"، في إطار ترسيخ سردية أنها تخوض" حرباً وجودية".
وأوضح بشارات أن هذا التوجه يخدم هدفين رئيسيين: الأول تعزيز التماسك الداخلي الإسرائيلي، وهو ما يصب في مصلحة حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية، والثاني الحفاظ على مظلة الدعم الأميركي واستقطاب التأييد الدولي لمشروعها السياسي.
وأشار إلى أن هناك هدفاً ثالثاً يتمثل في إبقاء غزة تحت حالة استنزاف مستمر، من خلال عمليات الاغتيال والاستهداف المتواصلة، بهدف تحجيم قدرات المقاومة الفلسطينية ومنعها من إعادة ترتيب صفوفها.
ولفت الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي إلى أن إسرائيل تسعى إلى خلق حالة دائمة من الإرباك داخل القطاع، باعتبار أن أي استقرار قد يتيح للمقاومة فرصة لإعادة البناء والتخطيط لمرحلة مستقبلية.
وبيّن أن سياسة استنزاف قوى المقاومة ليست جديدة، بل تُعد جزءاً من النهج الإسرائيلي منذ سنوات، إلا أنه ما بعد السابع من أكتوبر شهد تحولاً نحو تكثيف الضربات الاستباقية، بدلاً من الاكتفاء بإدارة المواجهة، وهو ما يعكس تطوراً في العقيدة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
وذكر أن إسرائيل تسعى حالياً إلى تقديم نفسها كقوة قادرة على إدارة عدة جبهات في آن واحد، من خلال الربط بين عملياتها في غزة والتصعيد مع إيران، بما يعزز صورتها كطرف يمتلك" فائض قوة" وقادر على التحكم بمسارات متعددة بشكل متوازٍ.
وقبل الحرب على إيران كرر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو التأكيد أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار هي مرحلة نزع السلاح وليس إعادة الإعمار في خطوة تشير إلى إمكانية عودة الحرب في القطاع.
من جهته، رأى مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات الاستراتيجية أحمد الطناني، أن السلوك الإسرائيلي دخل طوراً جديداً من التصعيد، على الرغم من أنه بدأ منذ اليوم الأول لاتفاق وقف إطلاق النار ولكن بوتيرة منخفضة، حيث كان يسوق في حينه مبررات لتنفيذ خروقات وعمليات اغتيال محدودة.
وقال الطناني لـ" العربي الجديد" إن الاحتلال يستغل حالياً حالة الانشغال الدولي بالحرب على إيران والتطورات الإقليمية المتسارعة، لتكريس" منطق الاغتيال المستمر" بحق الكوادر في غزة، مشيراً إلى أنه بات ينفذ عمليات اغتيال يومية من دون تقديم أي ذرائع أو روايات مسبقة، في محاولة لتطبيع هذا النمط من الجرائم لدى الرأي العام الدولي وكأنه جزء طبيعي من واقع القطاع.
أحمد الطناني: الاحتلال يستغل حالة الانشغال بالحرب على إيران والتطورات الإقليمية لتكريس منطق الاغتيال المستمروبيّن الطناني أن لدى الاحتلال بنك أهداف لا يقتصر على كوادر المقاومة أو عناصر الأجهزة الأمنية، بل يشمل أيضاً مدنيين يسعون لإعادة ترتيب حياتهم، إضافة إلى استهداف ممنهج لتعطيل مظاهر الحياة العامة، بما يعمّق حالة الضغط المجتمعي.
وأضاف أن هذا النهج يترافق مع محاولات لخلق فوضى داخلية عبر استهداف الشرطة وفتح المجال أمام اختراقات تنفذها مجموعات متعاونة مع الاحتلال، بهدف إرباك المشهد الداخلي ومنع عودة أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية في غزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك