أخطر ما يعيشه العراق اليوم هو تغيير مسار قراره السيادي بخصوص الحرب والسلم من يد الدولة إلى يد اللادولة.
تلك هي المشكلة التي باتت تؤرق دول الجوار والمجتمع الإقليمي من هذا البلد، والأكثر تأثرًا هو العراق نفسه الذي بات ينزلق إلى هاوية الحرب، ويُساق العراقيون من دون رغبتهم إلى الخراب وهم ينظرون.
وصل العراق إلى المرحلة التي باتت أرضه تُقصف من طرفي الحرب، أميركا وإيران، حتى من أبنائه، فلم يسلم هذا البلد من عبثهم في قصف منشآته الحيوية التي تؤمّن رواتب ومنافع القاصفين.
ما يفتقر إليه الوضع العراقي أنه ظل متجاهلًا هذه اللحظة من المواجهة لفترات طويلة من سلطة حكم الإسلام السياسي، حين ظل يلعب على الحبال وبقلوب شتى، تارةً بالجلوس مع السفير الأميركي ودخول الباب الخلفي للسفارة الأميركية، وأخرى برهن القرار العراقي لما تريده إيران، حتى وصل اليقين الأميركي أن العراق أصبح واحةً إيرانيةً.
بالرغم من التأكيد الحكومي أن هذا البلد ينأى بنفسه عن أي صراع، لكن ذلك لم يُغير من واقع الحال شيئًا، وتأكيدًا لهذه الحقيقة، عندما صدحت أصوات بعض ممثلي الشعب تحت قبة البرلمان بالموت لأميركا وإسرائيل، بينما كانت تصف الحكومة الهجوم على السفارة والشركات الأميركية بالعمل الإرهابي.
أكثر من عشرين عامًا لم تستطع هذه القوى السياسية العراقية أن تؤسس مسارًا ينهي هذه الحالة المتناقضة وتستعيد السيادة الاقتصادية والسياسية من الوصاية الأميركية وحتى الإيرانية، واطمأنت إلى دوام الحالة المؤقتة التي كان يعيشها الوضع العراقي.
ما يحتاجه العراق اليوم هو الابتعاد عن لغة العنتريات التي تجتاح" سدنة الشعارات" الذين يستغلون الفقراء حطبًا لتدفئة كراسيهم والانحناء للعاصفة قبل أن تأخذ معها كل شيء، لأن العراقيين يدركون، صغيرهم قبل كبيرهم، أن جميع دول العالم تملك مخارج للطوارئ من هذه الأزمات الاقتصادية والمجاعة والفوضى التي قد تتسبب بها هذه الحروب، إلا أصحاب السلطة والنفوذ في العراق الذين يعتقدون أن كرة الثلج المتدحرجة لن تصل إليهم.
مصيبة العراق في أولئك الذين يريدون تقديمه قربانًا على مذبح الآخرين لا لشيء سوى لإثبات الولاء والطاعة لمن خارج الحدود.
ما نحتاجه هو رؤية الواقع بعينين صحيحتين، وأن ندرك أن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الجروح لكي ينزف.
بالرغم من شعار الحكومة العراقية أن قرار الحرب والسلم ما زال في يدها، إلا أن الطرف الآخر الذي يريد جر العراق إلى حرب لا ناقة له فيها يريد أن يكون العراق مسرحًا لمشاهد الخراب والدمار التي لا تزال ذكراها عالقةً في أذهان الكثيرين أيام حرب الخليج الأولى والثانية وحتى الثالثة.
هل من الخطأ أو الخطيئة أن ننحاز إلى العراق كبلد وأرض دون أن ننجر إلى طرفي الحرب؟ أعتقد أن الكثير من العراقيين لا يريدون الإضرار ببلدهم، لكن المشكلة أن هؤلاء غير مرغوب بهم في الوقت الراهن الذي بات" الطرف الثالث" يطالبك أن تكون معه وإلا فأنت عدوه، أو على الأقل لست معه، وتلك هي مشكلة القرار العراقي المفقود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك