لم تعد الحرب على إيران تُقرأ في أميركا على أنها صراع خارجي، بل ملف داخلي تتصاعد حوله الانقسامات.
فتيار متنامٍ يرى أنها تُدار وفق حسابات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مركزين على كلفتها على أميركا نفسها: سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً، وما تثيره من قلق متزايد بشأن مستقبل دورها العالمي.
في قلب هذا المشهد، يتفجّر انقسام غير مسبوق داخل معسكر الرئيس دونالد ترامب.
فبينما يواصل التيار الجمهوري التقليدي التمسك بإسرائيل بوصفها" خط الدفاع الأول" عن الغرب، تتجرأ قاعدة" ماغا" (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً)، التي رفعت شعار" أميركا أولاً"، على كسر إحدى أقدم المسلّمات في السياسة الأميركية: هل ما تريده تل أبيب هو بالضرورة ما يخدم واشنطن، أم أن الولايات المتحدة تُدفع مرة أخرى إلى صراع لا يخدم مصالحها، بل يهدد تلك المصالح وعلاقاتها بالمنطقة؟هذا الجدل لم يعد هامشياً.
فقد خرج إلى العلن عبر أصوات إعلامية وشعبية مؤثرة داخل اليمين الأميركي، مثل تاكر كارلسون وآن كولتر وميغين كيلي وآن كاسبريان، وغيرهم، والتي باتت تتحدث صراحة عن كلفة الدعم لإسرائيل، وعن نفوذ اللوبيات، وحدود التضحية بالمصالح الأميركية.
وهو تحول يعكس تآكلاً في الإجماع التقليدي حول العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، خاصة بعد مشاهد الحرب والتدمير والمذابح في غزة، ثم الحرب على إيران وجرائم الحرب في لبنان، التي أثارت ردات فعل حتى داخل قطاعات محافظة، بمن فيهم نواب جمهوريون.
في المقابل، يواجه ترامب معادلة معقّدة: الحفاظ على تحالفاته مع إسرائيل، من دون خسارة قاعدته الشعبية التي ترى في أي انخراط عسكري عبئاً يتناقض مع جوهر" أميركا أولاً".
هذا التوتر يكشف أن" ماغا" لم تعد كتلة متجانسة، بل ساحة صراع بين الولاء لترامب بوصفه قائداً، والتمسك بعقيدة انعزالية وطنية.
ومع اقتراب الانتخابات النصفية، تتوسع الفجوة بين القاعدة الشعبية والنخبة الحزبية، وتظهر أصوات تدعو إلى مراجعة العلاقة مع إسرائيل.
وفي هذا السياق، تبدو الحرب أكثر من مجرد مواجهة عسكرية؛ إنها اختبار لهوية اليمين الأميركي وحدود تحالفاته.
هكذا، لم تعد إسرائيل حليفاً، بل محور صراع داخلي يعيد رسم السياسة الأميركية ويضع ترامب أمام اختبار حاسم لمستقبله ومستقبل اليمين.
والأخطر بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي أن" المحرّمات" تتصدع مع صعود أصوات يمينية مؤثرة، تطرح علناً شكوكا حول دعم دولة الاحتلال، ما يعد خسارة ليست بسيطة.
مع هذا التحول، تدرك أيضاً دوائر النفوذ الصهيونية أن المعركة باتت معقدة داخل أميركا، حيث يُعاد تعريف المصالح وتُختبر الثوابت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك