قال الله تعالى: «مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً»، هذه قاعدة قرآنية عظيمة في تعظيم حرمة الدماء البشرية أياً كانت ديانتها أو ملتها، ومن هنا وفي لحظات التصعيد الحادة وغير المسبوقة، وحين تتراجع الحكمة أمام منطق القوة والغطرسة، تصبح «الدبلوماسية» ضرورة أخلاقية ملحة قبل أن تكون اختياراً سياسياً، فالحروب لا تخلف إلا الدمار والخراب بينما يبقى «السلام» -الذي هو اسم من أسماء الله- الطريق الوحيد لحماية الإنسان كما قال سبحانه وتعالى: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً».
هنا يجيء الدور المصري كقوة اتزان رئيسية تدفع نحو وقف إطلاق النار، وفتح مسار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، عبر تحركات سياسية مكثفة هدفت إلى منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة موسعة لا يعلم عقباها إلا الله، وقد عكست الجهود المصرية إدراكاً عميقاً لخطورة المرحلة وحجم الأخطار التي تحيق بالإقليم.
وهذا ما حمله خطاب الرئيس القائد عبدالفتاح السيسي من رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤكداً أن المسئولية التاريخية لوقف الحرب تقع على عاتق القوى القادرة على التأثير وأن تجنب التصعيد بات ضرورة ملحّة لحماية الاستقرار الإقليمي والدولي.
إن أخطر ما كشفته هذه الأزمة هو التجاوز الخطير وغير المبرر، والذي تمثّل في الاعتداءات التي طالت دول الخليج العربية، وهي اعتداءات لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف كان، فدول الخليج لم تكن طرفاً في الصراع ولم تسع إلى تأجيجه، بل إنها تدخلت لدى أمريكا وحذرتها من مغبة الحرب، وتبنّت مواقف حذرة لتجنيب المنطقة الانفجار، وهو ما يجعل استهدافها خرقاً صريحاً لمبادئ الاستقرار الإقليمي وقواعد العلاقات الدولية.
إن ما قامت به إيران من اعتداءات لا يمكن قراءتها إلا بوصفها تصعيداً غير محسوب ويوسّع دائرة الصراع ويهدد أمن المنطقة بأسرها، بل إنه يضع الإقليم أمام احتمالات خطيرة لتدويل الأزمة وتعقيد مسارات الحل، بمعنى أن استهداف دول لم تنخرط في الحرب إنما يعكس منطقاً تصعيدياً يفتقر إلى المبررات السياسية والقانونية ويقوّض فرص التهدئة.
لقد عكست المؤشرات الميدانية حقيقة لافتة مفادها أن دول الخليج واجهت مستوى غير مسبوق من التهديدات المباشرة، دون أن تنجرّ إلى دائرة الحرب، فبحسب البيانات المتداولة تجاوزت الهجمات الإيرانية أكثر من 5500 هجوم تنوعت بين صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، تم التصدي لأغلبها بكفاءة عالية، ورغم هذا الحجم الكبير من التهديدات أظهرت الجيوش الخليجية مستوى عالياً من الجاهزية واليقظة، مما مكّنها من حماية المجالين الجوي والبرّي بكفاءة، والحفاظ على استقرار الجبهة الداخلية، ما جعل دول الخليج فاعلاً مؤثراً و«رقماً صعباً» في معادلات الأمن الإقليمي.
لقد جاء التأكيد المصري الحاسم على أن أمن الخليج العربي خط أحمر والتزام عربي لا يسقط تحت أي مبرراتٍ كانت، وأن حماية دول الخليج وصون سيادتها يمثلان جزءاً أصيلاً من منظومة الأمن القومي العربي، وليست مسألة إقليمية فحسب إنما عنصر حاسم في استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
لقد سعت القاهرة عبر هذا الدور القومي إلى إعادة توجيه بوصلة الأزمة من المواجهة إلى التفاوض، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استمرار التصعيد لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والخراب والقتل، وأن الحلول السياسية تظل هي السبيل الوحيد لتجنب الكوارث.
إن الحفاظ على النفس الإنسانية -بغض النظر عن الدين أو الهوية- يبقى هو المبدأ الأسمى الذي يجب أن يحكم سلوك الدول جميعاً، فالحروب تقتل الإنسان قبل أن تحقق أي هدف، بينما السلام وحده هو القادر على إعادة الحياة إلى مسارها الطبيعي.
إن استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان الآن يشكل انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويعد تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة بأسرها، فما يحدث هو سقوط مئات من الأرواح وآلاف من الجرحى وأكثر من مليون نازح وتدمير للبنية التحتية.
إن مصر برؤيتها المتوازنة لم تكتفِ بالدعوة إلى التهدئة، إنما وضعت إطاراً واضحاً يجمع بين رفض العدوان وحماية الأمن القومي العربي والدفع نحو الحلول السياسية، وهي معادلة تعيد الاعتبار لمنطق الدولة وتغليب العقل على الفوضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك