مع انقضاء آخر جمعة من الصوم الكبير، تبدأ مصر القبطية فى الاستعداد لليلة طال انتظارها، ليلة تحمل فى داخلها ألفى عام من الحكايات، وألفى عام من الطقوس التى لم تغيرها الأزمنة ولا تبدلت مع تعاقب الأجيال، ففى البيوت القديمة والحديثة على السواء، وفى شقق المدن الكبيرة أو بيوت القرى الهادئة، تستيقظ ذاكرة جماعية عتيقة، وكأن كل بيت قبطى يتحول إلى صفحة من كتاب تاريخ طويل عنوانه: «عيد القيامة المجيد».
ليس العيد مجرد مناسبة دينية عابرة، بل حكاية تمتد عبر ثلاثة أيام متتالية، تبدأ بسبت النور، وتبلغ ذروتها فى ليلة القيامة، ثم تتواصل بفرح شعبى يفيض فى يوم الأحــد، قبل أن يخرج إلى الشوارع والحدائق فى اليــوم التالى مع احتفالات شم النسيم، هكذا يروى الأقبــاط حكايتهم السنوية مع القيامة، حيث تختلط الصلوات بالفرح، والطقوس الكنسية بالموروث الشعبى، فى مشهد يبدو كأنه لم يتغير منذ قرون بعيدة.
وقبل أن تدق أجراس العيد، يحل «سبت النور»، اليوم الذى يحمل فى ذاكرة الأقباط معنى خاصاً، إذ يوضح الباحث فى التراث الشعبى، أشرف أيوب، لـ«الوطن»، أن هذا اليوم سُمِّى بهذا الاسم نسبة إلى النور الذى يظهر - وفق الموروث الكنسى - فى القبر المقدس الذى دُفن فيه السيد المسيح داخل كنيسة القيامة فى القدس، ويذكر المؤرخون أن هذا النور العجيب يضىء مصابيح الكنيسة، فى لحظة روحية ينتظرها المؤمنون كل عام.
ومن تلك الطقوس التى تبدأ فى القدس، امتد أثرها الشعبى إلى مصر، حيث كان المسيحيون يُكحِّلون عيونهم فى هذا اليوم فرحاً بنور المسيح، وهو ما سجَّله المستشرق «وليم لين» فى كتاباته عن احتفالات أهل القدس.
ولم تكن تلك العادة مجرد طقس عابر، بل تحولت إلى تقليد شعبى ظل حاضراً فى بعض القرى المصرية، حيث كانت النساء والرجال يُكحِّلون عيونهم، مرددين أغنية متوارثة بين الحجاج الأقباط تقول: «يا أحمر يا دومى.
شُق نور المسيح.
يا ما قل نومى.
آه يا رب ما أموت ولا يدفنونى.
لما أشوف نور المسيح وأملس عيونى».
ومع اقتراب منتصف ليلة السبت، تبدأ اللحظة التى ينتظرها الأقباط طوال العام «ليلة عيد القيامة»، التى يعتبرها كثيرون العيد الحقيقى، ففى تلك الساعات تتحول الكنائس إلى فضاءات من النور، بعدما كانت طوال أسبوع الآلام ترتدى السواد حزناً، فتُرفع الستائر البيضاء، وتُعلَّق أعلام القيامة، وتُشعل الشموع التى ترمز إلى الخروج من الظلمة إلى النور، ويدخل المصلون بملابس جديدة، وكأنهم يشاركون فى ولادة زمن جديد، ويستمر قداس القيامة حتى الساعات الأولى من صباح الأحد، تتخلله صلوات وتراتيل وتمثيلية القيامة التى تجسد لحظة إعلان الانتصار على الموت، تلك اللحظة الروحية المكثفة التى يشعر فيها الأقباط أنهم يعبرون من الصوم الطويل إلى فرح القيامة.
وبعد انتهاء القداس، يعود المصلون إلى بيوتهم، حيث تنتظرهم مائدة طال غيابها، فبعد خمسة وخمسين يوماً من الصوم الكبير، يجتمع أفراد الأسرة حول أول وجبة دسمة، فى مشهد عائلى بسيط لكنه يحمل معنى خاصاً، فهنا لا يكون الطعام مجرد طعام، بل إعلان عن نهاية رحلة طويلة من الصبر الروحى امتدت لـ55 يوماً من الصيام، حيث يلتف الجميع حول المائدة، يتبادلون التهانى والضحكات.
ومع شروق شمس الأحد يخرج العيد من الكنائس والبيوت إلى الحياة اليومية، حيث تظهر طقوس مصرية قديمة لا تزال حاضرة حتى اليوم، إذ يتصدر الكعك والبسكويت ومخبوزات العيد الموائد، ويحرص الكبار على منح الصغار العيدية، تلك النقود الورقية الجديدة التى تحمل فرحة خاصة للأطفال، ويشير «أشرف أيوب» إلى أن هذا التقليد ظل راسخاً عبر الأجيال، حيث ينتظر الأبناء والأحفاد تلك اللحظة التى تمتد فيها الأيدى الصغيرة لتتلقى العيدية بابتسامة واسعة.
طقوس لا يغيرها الزمن تبدأ من الكنيسة وتنتهى فى الحدائق وضفاف النيل على مدار 3 أيامومن الطقوس التى تجمع بين المصريين عموماً -مسلمين ومسيحيين- زيارة المقابر فى الأعياد، فيذكر الباحث أشرف أيوب أن النقوش القديمة تصور أربع نساء يحملن سلال الخبز وأوانى الماء فى طريقهن إلى المقابر، وهو مشهد لا يختلف كثيراً عما يحدث اليوم، فما زالت النساء يذهبن إلى المقابر حاملات سلالاً من الخبز والكعك والفاكهة، يوزعنها على زائرى المقابر والأطفال، صدقة ورحمة على أرواح الراحلين.
ثم يأتى اليوم التالى، حيث يخرج العيد من حدود الطقس الدينى إلى فضاء الاحتفال الشعبى الواسع المعروف بـ«شم النسيم»، الذى يُعد امتداداً طبيعياً لفرح القيامة عند الأقباط، حيث يتحول إلى عيد للحياة نفسها، فمنذ الصباح الباكر تخرج الأسر إلى الحدائق وضفاف النيل والحقول، حيث يجلس الأهل والأصدقاء على العشب أو تحت ظلال الأشجار، وتنتشر الأطعمة التى ارتبطت بهذا اليوم منذ آلاف السنين: البيض الملون رمز الحياة الجديدة، والفسيخ الذى يحمل جذوراً فى الثقافة المصرية القديمة، إلى جانب البصل والخس باعتبارهما رمزين للحماية والنماء.
هكذا تبدو حكاية عيد القيامة فى مصر: مزيج من الإيمان والتاريخ والذاكرة الشعبية، طقوس بدأت منذ أكثر من ألفى عام، لكنها لا تزال حية فى تفاصيل الحياة اليومية للأقباط.
وفى كل عام، حين تُضاء الشموع داخل الكنائس، وتدق الأجراس معلنة القيامة، يشعر المصريون أن هذه الطقوس ليست مجرد تقاليد دينية، بل جزء من روح هذا البلد الذى حفظ ذاكرته عبر القرون، وتركها تتجدد مع كل عيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك