فى الوقت الذى ترتفع فيه أصوات البهجة فى شوارع مصر مع اقتراب عيد القيامة المجيد، وتزدحم الكنائس بالمصلين، وتتلألأ الأضواء البيضاء فوق المذابح والستائر المعلقة على الجدران، هناك مكان بعيد عن كل هذا الصخب، مكان تقف فيه الصحراء حارساً للهدوء، وتمتد الرمال حوله بلا نهاية، كأنها تحمى سراً قديماً عمره قرون، هناك فى قلب وادى النطرون، يقبع دير الأنبا بيشوى، أحد أقدم الأديرة القبطية فى العالم، حيث يعيش الرهبان حياة مختلفة تماماً عن العالم الخارجى.
فبينما ينشغل الأقباط خارج أسوار الأديرة بالتحضير لليلة العيد، وشراء الملابس الجديدة، وإعداد موائد الطعام بعد رحلة صوم طويلة امتدت خمسة وخمسين يوماً، يسير الزمن داخل الدير بإيقاع آخر، أبطأ وأهدأ، كأنه لا يخضع لقوانين العالم الحديثة، هنا لا يتغير الكثير عندما يأتى العيد، لأن الحياة نفسها داخل الدير قائمة على العيد الدائم «الصلاة، والتأمل، والسكون».
يبدو الدير من الخارج كقلعة قديمة، بأسواره المرتفعة التى شهدت قروناً من التاريخ، فالدير الذى أنشأه القديس الأنبا بيشوى فى أواخر القرن الرابع الميلادى، عاش عبر العصور محاطاً بالصحراء، وواجه غارات البربر، ونجا من تقلّبات التاريخ، ومع ذلك ظل محتفظاً بروحه الأولى، مكاناً للسكينة والعبادة، وملاذاً للرهبان الذين تركوا العالم بإرادتهم بحثاً عن حياة أخرى، حياة تقوم على الزهد والتفرّغ الكامل لله.
بمجرد أن تعبر بوابة الدير، تشعر وكأنك دخلت إلى زمن مختلف، الحجارة القديمة تحكى قصصاً لا تُقال بالكلمات، الجدران التى تآكلت أطرافها بفعل الزمن تبدو كأنها تحفظ همسات صلوات آلاف الرهبان الذين مرّوا من هنا عبر القرون، بعضهم عاش ومات فى صمت، وبعضهم خرج من هنا ليُصبح بطريركاً يقود الكنيسة القبطية، وكان آخرهم البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية.
لكن فى ليلة عيد القيامة، تكتسب هذه الحجارة حياة جديدة، فمع اقتراب نهاية الصوم الكبير، الذى يسميه الرهبان فى الدير «ربيع الراهب»، يبدأ الاستعداد الروحى لأهم ليلة فى العام، لا توجد زينة تُعلق على الجدران، ولا أشرطة ملونة، ولا أضواء احتفالية كما يحدث فى المدن، الزينة الحقيقية هنا مختلفة، إنها الصلاة.
راهب: احتفالنا بالعيد يكون داخل القلب لا فى المظاهر الخارجيةفى الساعات الأخيرة من يوم السبت، يبدأ الرهبان فى التحرّك بهدوء نحو الكنيسة، خطواتهم بطيئة ومتزنة، وملابسهم السوداء الطويلة تتحرّك مع نسيم الصحراء البارد، لا يسمع فى الفناء سوى صوت أقدامهم الخفيفة واحتكاك الثياب بالحجارة القديمة.
داخل الكنيسة، يضىء نور خافت من الشموع الموزّعة أمام الأيقونات، لا شىء صاخب هنا، فقط سكون عميق يشبه سكون الليل فى قلب الصحراء، حيث يبدأ الرهبان تسبحة نصف الليل، وهى واحدة من أقدم الصلوات فى التقليد القبطى، وترتفع أصواتهم بالألحان القديمة التى تجمع بين اللغة القبطية والعربية، الألحان بطيئة وممتدة، كأنها تعبر الزمن نفسه، يتردّد الصوت داخل جدران الكنيسة الحجرية، فيتحول إلى موجة هادئة من التسبيح.
وبعد التسبحة تأتى صلاة باكر، ثم يبدأ قداس عيد القيامة، وهنا يروى الأب يوساب، أحد رهبان الدير، لـ«الوطن»، تفاصيل تلك اللحظة، قائلاً إن ليلة القيامة فى الدير تبدأ قبل الاحتفالات المعروفة فى الخارج، حيث يجتمع الآباء الرهبان فى الكنيسة للصلاة فى خشوع عميق، ويضيف أن القداس يتضمن أحد أشهر طقوس القيامة فى الكنيسة القبطية، وهو تمثيلية القيامة.
فى تلك اللحظة، يقف أحد الشمامسة خارج الهيكل، ويبدأ الحوار الرمزى القديم، يطرق الباب ثلاث مرات، وهو يردد بصوت مرتفع: «افتحوا أيها الملوك أبوابكم وارتفعى أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد»، ليأتى له الرد من داخل الهيكل عبر الكاهن أو المطران بصوت مهيب: «من هو ملك المجد؟ »، ويأتى الرد: «الرب العزيز القوى الجبار القاهر فى الحروب هو ملك المجد».
يتكرر الحوار ثلاث مرات، ثم يعلن الكاهن الكلمات التى ينتظرها الجميع: «آخريستوس آنستى»، أى المسيح قام، فيرد الشمامسة والرهبان معاً: «آليسوس آنستى»، أى بالحقيقة قام، ثم تتردّد العبارة التى يعرفها كل مسيحى: «المسيح قام.
بالحقيقة قام».
فى تلك اللحظة يُقرع الجرس بقوة، فى إشارة رمزية إلى دحرجة الحجر عن باب القبر، وتُضاء الأنوار والشموع فى الكنيسة، بينما ترتفع الألحان معلنة فرح القيامة، ويقول الأب يوساب إن تلك اللحظة تُعد من أجمل لحظات الصوم الكبير، بل من «أحلى الأيام» فى حياة الراهب.
«شم النسيم فى الدير» لقاء بسيط يجمع الرهبان على الفسيخ والرنجة فى تقليد قديمبعد انتهاء القداس فى الساعات الأولى من الصباح، لا يعود الرهبان مباشرة إلى قلاليهم -مكان سكنهم- للنوم، بدلاً من ذلك يخرجون إلى فناء الدير، حيث يقفون فى مجموعات صغيرة يتبادلون التهنئة بكلمات قليلة، لا توجد مصافحات صاخبة ولا ضحكات عالية، فقط جملة قصيرة تُقال بنبرة هادئة: «المسيح قام»، ويرد الآخر: «بالحقيقة قام»، ثم يتجه الجميع نحو المائدة المشتركة.
بعد خمسة وخمسين يوماً من الصوم، يجتمع الرهبان حول وجبة بسيطة للغاية، لا توجد أطعمة فاخرة ولا موائد عامرة كما يحدث فى المدن، الطعام هنا يعكس روح الحياة الرهبانية: قطعة جبن، كوب لبن، بيضة مسلوقة، قليل من الشوربة، وربما قطعة صغيرة من اللحم المسلوق.
لكن رغم بساطة الطعام، تبدو تلك اللحظة مليئة بالدفء الإنسانى، فالراهب لا يأكل وحده، بل وسط إخوته، الجميع شارك فى إعداد الطعام، والجميع يجلس حول المائدة نفسها.
يقول الأب يوساب إن هذه المائدة تعبّر عن روح الشركة والمحبة بين الرهبان، أكثر مما تعبّر عن الطعام نفسه.
بعد ذلك يعود كل راهب إلى قلايته، وهى عبارة عن غرفة صغيرة يعيش فيها الراهب، لكنها بالنسبة له أكثر من مجرد غرفة، يصفها الأب يوساب قائلاً: «القلاية هى السماء التى يعيش فيها الراهب»، داخل هذه الغرفة البسيطة يقضى الراهب معظم وقته فى الصلاة والتأمل، لا يوجد الكثير من الأثاث: سرير بسيط، ومكتب صغير، وعدد من الكتب الروحية، وأيقونة مضاءة بشمعة.
حتى فى يوم العيد، يظل كل شىء بسيطاً، فالراهب لا يبحث عن مظاهر الفرح الخارجية، يقول الأب يوساب: «احتفال الراهب بالعيد يكون احتفالاً داخلياً داخل قلبه.
يفرح بالله من داخل قلبه وبالقيامة التى هى أساس الإيمان المسيحى».
فى الخارج، يمضى الناس يوم العيد بين الزيارات والتنزه فى الحدائق وتناول الطعام، أما داخل الدير، فالحياة تستمر بإيقاعها المعتاد، فبعض الرهبان يذهبون إلى أعمالهم اليومية: فى المطبخ، أو فى المكتبة، أو فى الحقول، أو فى استقبال الزائرين الذين يأتون إلى الدير طلباً للبركة.
الحياة هنا ليست مجرد صلاة فقط، بل توازن بين الصلاة والعمل، وفى المساء، يعود الهدوء مرة أخرى ليغطى الدير.
وفى اليوم التالى، يأتى شم النسيم، وهو تقليد قديم يشارك فيه الرهبان بطريقتهم الخاصة، فيقول الأب يوساب إن البابا الراحل شنودة الثالث، كان قد وضع عادة جميلة فى هذا اليوم، حيث يجتمع الرهبان فى بعض الأديرة، خاصة فى دير السريان، ويتناولون معاً أطعمة شم النسيم المعروفة: الفسيخ والرنجة والملوحة والبيض المسلوق، تكون الجلسة بسيطة ومليئة بالمحبة، يتحدّث الرهبان معاً فى هدوء، ويتبادلون القصص والذكريات، وفى كثير من الأحيان يحضر البابا تواضروس الثانى ليباركهم ويقدّم كلمة روحية، ثم يجتمع بهم مرة أخرى فى المقر البابوى ليهنئهم بالعيد.
لكن بالنسبة للرهبان، لا يقتصر معنى شم النسيم على الطعام أو اللقاء، ففى نظرهم الطبيعة كلها تشارك فى الاحتفال، فيقول الأب يوساب: «نحن نكون فى فصل الربيع.
تتفتّح الزهور وتفرح الطبيعة كلها، وكأنها تشهد لقيامة المسيح».
هكذا يبدو عيد القيامة داخل أسوار دير الأنبا بيشوى مثل: عيد بلا صخب، بلا زينة كثيرة، بلا مظاهر خارجية، عيد يعيش فى الصلاة، وفى الصمت، وفى قلب الراهب نفسه الذى طبقاً لتعاليم الكنيسة مات عن العالم وترك زينته ليلتصق ببيت الرب للعبادة، مُتبتلاً عن شهوات الدنيا وزينتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك