لا يزال الكثير من جوانب الاتفاق المبرم في يناير/كانون الثانيالماضي ما بين دمشق و" قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، والذي نصّ على دمج هذه القوات الكردية والجهات التابعة لها في المنظومة الحكومية، غير واضحة المعالم.
البطء الشديد في الشروع الفعلي والجدي في تنفيذ الاتفاق بين دمشق و" قسد" على أرض الواقع، يدل على أن العراقيل لا تزال قائمة.
ولم تحضر الدولة بعد في محافظة الحسكة مختلطة السكان في شمال شرقي سورية، فالقسم الأكبر والأهم منها لا يزال عملياً خاضعاً لـ" قسد" والجهات الأمنية والإدارية التابعة لها، ما يرتّب عليه الكثير من الأعباء على السكان، في ظل وجود انفلات أمني وعمليات سرقة واسعة النطاق، حذرت منها أخيراً عدة جهات محلية.
عضو الفريق الرئاسي لتنفيذ الاتفاق بين دمشق و" قسد" في يناير، مصطفى عبدي، قال الأربعاء الماضي في مقابلة تلفزيونية، إن هناك قرارات ستصدر في سياق الاتفاق كـ" الاعتراف بالشهادات الجامعية"، التي صدرت عن جامعات من خارج المنظومة التعليمية في سورية، إلى جانب" استمرار التعليم باللغة الكردية" وفتح معبر نصيبين الحدودي مع الجانب التركي، وعودة آلاف النازحين الأكراد من منطقة رأس العين، شمال غربي الحسكة إلى بيوتهم وأملاكهم.
وعلى الصعيد العسكري، قال مصطفى عبدي إنه يجري حالياً تجهيز ثلاثة ألوية تابعة للجيش السوري ستضم 3900 عنصر من" قسد"، ولواء آخر في منطقة عين العرب شمال شرقي حلب سيضم 1300 عنصر، مشيراً إلى أن جميع الأسلحة التي تملكها" قسد" ستصبح تحت قيادة الجيش السوري.
ولا يحمل كلام المسؤول الحكومي جديداً، فالمعلومات التي أوردها متداولة في وسائل الإعلام منذ عدة أشهر، ولكن من دون تنفيذ، إذ لا تزال" قسد" والجهات الأمنية والإدارية التابعة لها، سلطة أمر واقع في محافظة الحسكة، وتمارس أعمال اعتقال خارج إطار الدولة.
وقبل أيام حذر اتحاد العشائر الكردية، في بيان، من" التدهور المتواصل في الواقع الأمني بالمحافظة (الحسكة)"، مشيراً إلى" تنامي الجريمة والاعتداء على المواطنين والممتلكات العامة والخاصة".
بطء تنفيذ اتفاق دمشق و" قسد"وكان الاتفاق الذي أبرم بعد مواجهات عسكرية واسعة خسرت خلالها" قسد" الكثير من مناطق كانت خاضعة لنفوذها، قد نص على دمج هذه القوات ضمن القوات الحكومية، على شكل فرقة عسكرية مؤلفة من ثلاثة ألوية، مع تشكيل لواء منفصل لقوات" كوباني" (عين العرب) يُلحق بفرقة محافظة حلب.
كذلك تضمن الاتفاق بين دمشق و" قسد" انسحاب القوات العسكرية من خطوط التماس، ودخول قوى الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي، وبدء عملية دمج متسلسلة للمؤسسات الأمنية والإدارية، مع تثبيت الموظفين المدنيين.
لكن تنفيذ الاتفاق على أرض الواقع اعترضه الكثير من المعوّقات بسبب تعقيدات أمنية وتراكم الملفات العسكرية والإدارية ومحاولات" قسد" ربط مصيرها بمصير القضية الكردية في البلاد.
وتبدو مقاربة الحكومة في دمشق لهذا الملف حذرة، بسبب مخاوف من عودة الصدام العسكري الذي تدفع باتجاهه عدة جهات محلية وإقليمية مناهضة للإدارة السورية الجديدة.
ولا تبدو دمشق بصدد فرض سيطرتها الكاملة على محافظة الحسكة، آخر جيب للقوات الكردية، بالقوة، وتتبع سياسة" الصبر الطويل" لحل عُقد هذا الملف بالتفاوض.
فريد سعدون: تيار داخل قسد لا يقبل أن يخسر المكاسب التي حصل عليهاوقال الباحث المواكب للوضع في الحسكة، فريد سعدون، لـ" العربي الجديد"، إن لا شيء تحقق على أرض الواقع من بنود اتفاق يناير بين دمشق و" قسد".
ورجّح حدوث ما وصفها بـ" صراعات غير محمودة بعد امتحانات البكالوريا (الثانوية العامة، وبدأت أمس الخميس)".
وأوضح أن" هناك تيارا داخل قسد لا يقبل أن يخسر المكاسب التي حصل عليها"، لافتاً إلى أن" عدم مشاركتهم في انتخابات البرلمان (جرت قبل أيام في الحسكة) حصل بضغط من هذا التيار".
وفي رأيه فإن" هناك صعوبة كبيرة في تنفيذ الاندماج الذي يعيد مؤسسات الدولة إلى التفعيل على حساب تضاؤل مؤسسات الإدارة الذاتية (التابعة لقسد) وتلاشيها، فذلك يعني فقدان قسد سطوتها ومكاسبها وامتيازاتها ومواردها المالية الهائلة".
واعتبر أن" هذه الخسارة لا يستطيعون تقبلها، ولذلك يريدون أن يكونوا شركاء مقابل القبول بالاندماج"، مضيفاً أن" الدولة لا تقبل بالطبع أن تتقاسم موارد البلد مع أي تنظيم أو إدارة غير إدارتها".
وكانت الحكومة السورية قد تسلمت في فبراير/شباط الماضي، حقول النفط في محافظة الحسكة، وشرعت في عملية التأهيل الآبار، كما تسلمت معبر سيمالكا غير النظامي مع إقليم كردستان وأبقته مفتوحاً في الوقت الراهن لـ" أسباب إنسانية"، لكنها تجد صعوبة حتى اللحظة في استلام" القصر العدلي" في المحافظة بسبب عدم التوصل لتفاهمات حول دمج الكادر القضائي التابع للإدارة الذاتية.
كما لم يتضح بعد مصير آلاف المقاتلات في" قسد"، واللواتي كما يبدو هن خارج عملية الدمج في الجيش السوري الذي لا يضم نساء، ويجري الحديث عن دمجهن في وزارة الداخلية للعمل في مجالات ذات طابع إداري.
وعن أسباب البطء في تطبيق اتفاق يناير، قال مدير مؤسسة" كرد بلا حدود"، كادار هوزان، لـ" العربي الجديد"، إن" هناك مفهومين لعملية الاندماج"، موضحاً أن" قسد والإدارة الذاتية ترى أن العملية تتضمن القوات العسكرية والإدارات المدنية في جميع النواحي، فيما كانت هناك قطيعة مع دمشق لنحو عشر سنوات وإدارة ذاتية تقوم بتسيير أمور الناس، لذا يجب أن تكون عملية الدمج عملية مشاركة".
في المقابل فإن حكومة دمشق، وفق هوزان، " فهمت الموضوع عكس ذلك تماماً، إذ تريد من عملية الدمج حل الإدارة الذاتية وانحلالها، وهذا مفهوم خاطئ"، متهماً أطرافاً، " بضغط من الخارج"، بمحاولة" إنهاء الإدارة الذاتية وقسد".
كادار هوزان: وصلنا إلى نقطة تقتضي تصحيح الأمور وعلى دمشق تغيير مفهومها لعملية الاندماجوأضاف هوزان أن" عملية الدمج تعترضها عراقيل بسبب الأشخاص الذين اختارتهم دمشق لتنفيذ الاتفاق، وهم معادون للإدارة الذاتية في شمال شرقي سورية".
ورغم الصورة القاتمة التي رسمها هوزان، إلا أن باعتقاده فإن الاتفاق بين دمشق و" قسد" في يناير، " ممكن التنفيذ" وليس صعب المنال كما يعتقد البعض.
وفي رأيه، فإن الإدارة الذاتية كانت" متساهلة جداً"، موضحاً أنه" وصلنا إلى نقطة تقتضي تصحيح الأمور وعلى دمشق تغيير مفهومها لعملية الاندماج، ولا سيما أن الاتفاق مع الأكراد سيكون له تأثير على كامل الأراضي السورية، خصوصاً الجنوب والساحل".
كما" يجب أن تعي دمشق هذا الأمر وتوليه أهمية كبيرة"، وفق قوله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك