نعت رئاسة الجامعة اللبنانية ومعهد العلوم الاجتماعية مدير معهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول الدكتور علي زعيتر، الذي استشهد من جراء غارة إسرائيلية، مؤكدة أنّه كان" صاحب قيمة علمية وأخلاقية كبيرة"، وأستاذاً متميّزاً في الاقتصاد والتنمية، ومرشداً تربوياً أشرف على عشرات الرسائل الجامعية وناقشها، كما ترأس قسم التنمية الاقتصادية والاجتماعية لسنوات.
لكن من عرفه من قرب يدرك أن سيرته لا تُختزل في المناصب أو الشهادات، بل في حضوره الإنساني بين الناس.
في سيرته الأكاديمية، كان زعيتر ابن مسار طويل من العمل الصامت.
إجازة في الاقتصاد من الجامعة العربية في بيروت عام 1994، ثم ماستر في اقتصاديات التنمية عام 2002، وصولاً إلى دكتوراه في الاقتصاد النقدي والموارد الطبيعية والنفط من جامعة العلّامة الطبطبائي في إيران عام 2010.
منذ ذلك العام نفسه، بدأ التدريس في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال وفي معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، قبل أن يتولّى رئاسة قسم التنمية الاقتصادية والاجتماعية بين 2021 و2024، ثم يُعيَّن مديراً للفرع الأول في مارس/ آذار 2024.
كان متخصصاً في الرقابة على المؤسسات المالية والمصرفية، وشارك في ترجمة كتب ومقالات من الفارسية إلى العربية، ونشر أعمالاً علمية باللغتين.
لكن هذه التفاصيل، على أهميتها، لا تفسر وحدها لماذا بدا خبر استشهاده كأنه خبر شخصي لكثيرين في الجامعة.
يقول عميد المعهد العالي للدكتوراه حسين رحّال إن زعيتر كان" إنساناً خلوقاً جداً، يساعد الطلاب كثيراً، وكانت علاقته بهم دائماً ودودة وبشوشة، ولم يسمع يوماً أن أحداً انزعج منه".
وأضاف أنه كان يتابع عمل الأساتذة ويشجّعهم" بطريقة أخلاقية ومحترمة"، ويقف إلى جانبهم على اختلاف اختصاصاتهم وانتماءاتهم.
وتابع: " كان دائماً إلى جانبهم، متقدّماً معهم لا خلفهم"، معتبراً أنّ خسارته" خسارة حقيقة وصعبة".
في غرفة الأساتذة، تتذكر الدكتورة هيفاء سلام، أستاذة وباحثة في معهد العلوم الاجتماعية (الفرع الأول)، آخر لقاء لها معه قبل نحو شهرين ونصف شهر.
جاء باكراً كعادته وجلس بينهم.
وتقول: " كان يعمل يومياً من دون كلل أو ملل".
كان يُدرّس ويدير ملفات إدارية عديدة، ويشارك في نشاطات علمية متعدّدة، ومع ذلك" لم تكن الابتسامة تفارق وجهه".
لم يكن يردّ طلباً لأحد، وكان بابه مفتوحاً دائماً أمام الطلاب.
وفي بلد مثقل بالأسئلة الطائفية قبل أي سؤال آخر، لم يكن يسأل أحداً عن طائفته أو دينه، بل" كان يتعامل مع الجميع بإنسانية كاملة"، تقول سلام.
مع بداية الفصل الدراسي الثاني في الجامعة، كان يفكّر، ككثيرين في المؤسسة، في سبل الحفاظ على الحد الممكن من انتظام الحياة الأكاديمية.
اقترح عقد اجتماع عبر تطبيق التراسل الفوري" واتساب" في موعد يناسب الجميع، لمناقشة إصدار العلامات والانطلاق في الفصل الجديد.
حدّد الموعد، ثم اندلعت الحرب، فلم يُعقد الاجتماع.
وبقي ذلك الموعد، بالنسبة إلى زملائه، آخر تفصيل إداري كان يحاول ترتيبه قبل أن يغيب.
تقول سلام: " كان حريصاً، من موقعه في مجلس الفرع، على مراعاة أوضاع الأساتذة ومشاعرهم إلى جانب الطلاب معاً، وكان يرى الجامعة مجتمعاً صغيراً ينبغي أن يبقى متماسكاً حتى في أصعب الظروف".
تضيف: " خسارته لا تُعوّض.
أمضيت سنوات طويلة في الجامعة، لكنني لم ألتقِ بشخص يشبهه أكاديمياً وشخصياً وعلمياً".
ثم تختم بعبارة تختصر معنى الرحيل أكثر مما تختصر السيرة: " لم أكن أتخيّل يوماً أن أقف في موقف كهذا".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك