العربي الجديد - المعاناة تلف جنوب السودان: فساد وأزمة اقتصادية طاحنة ومجاعة العربي الجديد - شبح الهجرة الطوعية في غزة...استغلال الإنهاك الاقتصادي الجزيرة نت - الجيش السوداني يعلن صد هجوم للدعم السريع بالنيل الأزرق روسيا اليوم - بيلاروس.. علماء آثار يكتشفون قطعا نادرة تعود للسلافيين القدماء في مينسك روسيا اليوم - دراسة: الوجبات السريعة في الطفولة قد تعيد برمجة الدماغ وتؤثر على الشهية الجزيرة نت - "هزيمة نادرة" لترمب.. هل يتمكن النواب الأمريكيون أخيرا من إنهاء حرب إيران؟ روسيا اليوم - اكتشاف جديد يعمق حيرة العلماء حول أصل "شبيه القمر" المرافق للأرض روسيا اليوم - بورليايف: سوق السينما يبحث عن التسلية لا الأفكار العميقة وعلينا إحياء "غوسكينو" السوفيتية Independent عربية - هل يترك "الاتفاق المحتمل" إيران مثخنة بالجراح لكن دون انكسار؟ العربي الجديد - عبد الله مكسور في "عبور مؤجل" على هامش التغريبة الفلسطينية
عامة

بوشكين رجل المستقبل وطمس الحدود بين المسلَّمات والمحظورات

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 شهر
1

قد لا تكون الشهرة العالمية التي ينالها الكاتب الروسي العظيم «الكسندر بوشكين» Alexander Pushkin (1799-1837) لا تضاهي أبدًا شهرة كتَّاب الروائع الخالدين من أمثال «ليو تولستوي» Leo Tolstoy (1828-1910) و»...

ملخص مرصد
يبرز الخبر أهمية الكاتب الروسي ألكسندر بوشكين (1799-1837) في الأدب الروسي واللغة والثقافة، رغم عدم شهرته العالمية مقارنة بكتّاب روس آخرين. يُعتبر بوشكين رائدًا في اللغة الروسية والأدب، ومفكرًا تجاوز حدود زمانه من خلال تناول قضايا اجتماعية وسياسية ملحة. كما برزت موهبته في كتابة التاريخ بأسلوب أدبي وتحليلي، مع التركيز على الدروس المستفادة من الماضي.
  • ألكسندر بوشكين (1799-1837) رائد اللغة والأدب الروسيين، درس أعماله في الجامعات والمدارس الروسية.
  • تناول بوشكين قضايا اجتماعية وسياسية كالحريّة والعدالة والاندماج الثقافي في روسيا القيصرية.
  • روايته "ابنة الآمر" (1836) تعكس رؤيته النقدية للتاريخ الرسمي واهتمامه بالسرديات الصغرى.
من: ألكسندر بوشكين أين: روسيا

قد لا تكون الشهرة العالمية التي ينالها الكاتب الروسي العظيم «الكسندر بوشكين» Alexander Pushkin (1799-1837) لا تضاهي أبدًا شهرة كتَّاب الروائع الخالدين من أمثال «ليو تولستوي» Leo Tolstoy (1828-1910) و»فيودور دستويفسكي» Fyodor Dostoevsky (1821-1881) و»نيكولاي جوجل» Nikolay Gogol (1809-1852) وغيرهم من الكتَّاب الذين يحظون بشهرة واسعة؛ وربما يرجع هذا الأمر إلى تباطؤ حركة ترجمة الأدب والفكر الروسي، بعد قرون وعقود عديدة من الانغلاق، وكذلك لعدم دراسة هذه الأعمال حينها بسبب عدم الإقبال على تعلُّم اللغة الروسية.

لكن، بالرغم من هذا، يعي جميع أفراد الشعب الروسي أهمية «بوشكين» ودوره في بناء الأطر الرئيسية الحديثة للكيان الروسي أدبيًا ولغويًا، ولهذا يتم تدريس سيرته وأعماله في الجامعات والمدارس بصورة مُكثَّفة.

ولا ينبغي اعتبار «بوشكين» فقط بوصفه العالم اللغوي الرائد الذي أرسى قواعد اللغة الروسية الحديثة، أو الكاتب الذي صنع القالب الذي ينبغي أن يدور فيه الأدب الروسي، والذي حدد أيضًا التيمات الأدبية التي صار يتناولها كل كاتب راغب في الوصول لأرقى درجات الشهرة، والتي يسبقها حتمًا التمكُّن من كتابة أرقي ألوان الكتابة الإبداع الأدبي.

فلو حدث أن سافر أحدهم عبر الأزمنة كي يخبر «بوشكين» عن إنجازاته ومكانته لكان قهقه ساخرًا، لأنه نفسه هو شخص تخطَّى حدود الزمان، والشَّاهد هو سيرته الذَّاتية، ومحتواه الفكري الفلسفي، وأسلوبه في الكتابة، وأيضًا تناوله للقضايا الشائكة، التي لم تخمد خطورتها حتى بعد انقضاء نحو القرنين من الزَّمان.

باختصار، «بوشكين» رجل قادم من المستقبل، بلور في كتاباته مهمَّته المقدَّسة التي يجب بذلها من أجل البشرية، ألا وهي الارتقاء بالشعوب أخلاقيًا وفكريًا وأدبيًا، مع التشديد على الجانب الأخلاقي.

ويمكن اعتبار «بوشكين» أحد أوائل النشطاء السياسيين والاجتماعيين الذين واجهوا بشجاعة حكَّام روسيا القيصرية ونادوا بالحريَّة والعدالة، وكذلك بأهمية تفعيل منظومة رائدة للدمج الاجتماعي والثقافي بين أطياف وإثنيات وأديان الطوائف المختلفة التي تتألَّف منها روسيا القيصرية؛ فهو من أوائل من اعتبروا أن إغفال الاختلافات الثقافية والعرقية والدينية ستجلب الكثير من المشكلات، وهذا أمر لاتزال تعاني منه الدول الحديثة التي تفككت من تحت عباءة الإمبراطورية الروسية.

ومن الجدير بالذكر أن الاتِّحاد السوفياتي الشيوعي قد تنبه لخطر التشرذم الذي ينجم من التعددية الدينية والعرقية في البلاد ويهدد أي كيان قائم على روسيا الموحَّدة.

وعلى هذا، قامت الدولة السوفياتية الشيوعية على مبدأ بناء دولة قوية من خلال فرض اللادين وطمس الإثنيات، لكن دون أدنى شكّ فشل المشروع السياسي الاجتماعي وسقط وتفكك الاتِّحاد السوفياتي؛ لأن السيطرة من خلال الترهيب والإجبار لا يمكن أن تبني دولة قوية ثابتة البنيان، وهذا درس لم يتعلَّمه السوفيت من تاريخ روسيا القيصرية.

ولم تقتصر موهبة «بوشكين» الأدبية على كتابة الشعر والنثر، بل كان أيضًا مؤرِّخًا موهوبًا يصوغ التَّاريخ بأسلوب أدبي، وبعد ذلك يعمل على تأويل تدوين التَّاريخ بأن يصوغه في شكل رواية يسوقها كي يصيغ وجهة نظره ويحاول لفت الأنظار للدروس التي يجب الاستفادة منها عند قراءة التَّاريخ.

وذلك يعني أن «بوشكين» كان يحاول جاهدًا أن يدفع البشر ليتعلَّموا من التَّاريخ ويكونوا قادرين على عقد مقارنات ومقاربات منطقية من شأنها فهم الثغرات التي يمكن من خلالها أن تتسَّرب لمبادئ الاختلاف المفضي إلى الشقاق.

وهذا بالضبط ما فعله الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي «جون فرانسوا بودريار» Jean-Francois Baudrilliard (1929-2007) عند اقتراحه أن التاريخ هو عبارة عن «سرديات كبرىGrand Narratives «، وكل مؤرِّخ يكتب من وجهة نظره، أو ليعبِّر عن وجهة نظر محددة.

وأنه لا يجب النظر للتاريخ باعتباره فقط تلك السردية الكبرى، بل هناك أيضًا سرديات صغرى Small Narratives، وهي ذاك النوع من الحكايات التي تتناول تفاصيل أفراد أو جماعات عينها.

تناول «بوشكين» تلك المفاهيم بالدليل النظري والعملي عند كتابة واحدة من أهم الأحداث الكبرى التي كادت تعصف بكيان روسيا القيصرية في عهد الإمبراطورة «كاترين الثانية» Catherine II والتي تم تلقيبها أيضًا بـ «كاترين العظيمة» Catherine the Great، بالرغم من أنها كانت تحكم البلاد بالشدَّة المفرطة.

وفي أحد كتاباته العلمية، تناول «بوشكين» تلك اللحظة الفارقة في تاريخ «كاترين الثانية» وهي «ثورة البوجاتشيف» Pugachev Rebellion (1773-1775)، التي قادها أحد الثوَّار يدعي «يميليان بوجاتشيف» Yemelyan Pugachev (1742-1775) الذي كان يشغل منصب ملازم في الجيش الإمبراطوري الروسي، علمًا بأنه كان مشهودًا له بالبسالة والشدَّة.

لكنّ الملازم «بوجاتشيف» انقلب على الجيش وقاد ثورة ضد الإمبراطورة «كاترين الثانية» التي أحكمت قبضتها على فقراء روسيا من أصحاب الصنع، وكانت شديدة القسوة على الفلَّاحين، الذين كانت السخرة والعبودية هي وسيلة الحياة الوحيدة المسموح لهم بأن يعيشوها.

وذلك، بالتأكيد، كان يتضمن الخضوع لفقر مدقع ومجاعات شبه متواصلة.

وبالرغم من أنهم من يقومون بالزراعة، لكنهم لا يقوون على التهام البعض مما يزرعونه إلَّا بحساب وأوامر مباشرة من النبلاء، خشية العقاب المبالغ فيه، فضلاً عن تعرُّضهم للإهانة والظلم المفرط بصورة دائمة.

وتجدر الإشارة أن ظروف الفلَّاحين والمستضعفين من أصحاب الصنع والفقراء لم تكن أفضل حالًا في العهود القيصرية السَّابقة، فيما خلا فترة «بطرس العظيم» Peter the Great، وكادت تلك الطبقات تتنفَّس الصعداء مرَّة أخرى في عهد الإمبراطور «بطرس الثَّالث» Peter III، الذي كاد يضع حيِّز التنفيذ مرسومًا ينصف الفلَّاحين والمستضعفين.

بيد أن المنية قد وافته عام 1762، وخلفته في تولِّي شؤون البلاد زوجته الألمانية الأصل «كاترين الثانية».

وبناءً على تلك الوقائع، استطاع القائد العسكري «بوجاتشيف» أن يصنع ثورة ضخمة قوامها الأساسي الفلَّاحون، وجناحها العسكري شعب الأورال، وانضمت لها الإثنيات المتعددة التي كانت تتألَّف منها الإمبراطورية الروسية، وكذلك أصحاب الديانات المختلفة.

وأهم سبب لذلك التحالف هو أن روسيا القيصرية كانت تهمش الإثنيات الأخرى، وتضعهم في مراتب تالية لسكَّان روسيا.

أضف إلى ذلك، قامت «كاترين الثانية» بفرض الدين المسيحي على جميع أفراد الشعب، وجعلت منه الدين الرسمي المعترف به.

وبالتالي، تفاقمت رغبة جموع الشعب في الانضمام للثورة.

كان «بوجاتشيف» من الذكاء، بأن يشيع بين العامة أنه هو نفسه «بطرس الثالث» زوج الإمبراطورة، وأنها قامت بخلعه طمعًا في الوصول إلى سدَّة الحكم.

ولذلك، كانت جموع المستضعفين تنضم لحركته لأنها شرعية، والأهم من ذلك، أنهم اختبروا الحكم العادل للإمبراطور «بطرس الثالث»، ويرغبون في إحياء هذا النموذج مرَّة أخرى.

وقام «بوشكين» بالتأريخ لتلك الواقعة، تبعًا للرواية الرسمية.

ووصف فيها شخصية «بوجاتشيف» كما هو مألوف، وكما يسطره جميع المؤلِّفين، بأنه شخص قاس وبلا رحمة.

وأيضًا يصفون الثورة بأنها عرَّضت مصير البلد لخطر جسيم، لولا حنكة «كاترين الثانية» التي استطاعت إخماد هذه الثورة الشعبية العنيفة، وأيضًا تمكَّنت من الارتقاء بالبلاد.

لكنّ، «بوشكين» الكاتب الثوري كان له رأي آخر، فقرر التعبير عنه في واحدة من أهم رواياته التي لا تزال تحظى بالإعجاب الشديد، وهي رواية «ابنة الآمر» The Captain’s Daughter (1836) التي كتبها قبل وفاته بعام واحد فقط، والتي وضع فيها خلاصة مفاهيمه وتجاربه السياسية، وكذلك تناولت عصارة تجربته الفنية والأدبية التي عبرت حدود الزمان.

وثابر «بوشكين» من أجل الشعب الروسي ويعلِّمه بأن هناك فارقاً كبيراً بين «السرديات الكبرى» التي تعبِّر عن الحكاية الرسمية، و»السرديات الصغرى» التي تغوص في حياة الأفراد والجماعات، وتنقِّب عن الأسباب الجوهرية للقيام بفعل ما، وكأنه يقوم بعمل بحوث استقصائية في التاريخ والعلوم الاجتماعية، تمامًا كما فعل بعده الفيلسوف والمؤرِّخ والمنظرِّ الاجتماعي «ميشيل فوكو» Michel Foucault (1926-1984)، الذي بحث أيضًا في الدوافع النفسية والاجتماعية للأفراد والجماعات والمجتمعات، وحاول إماطة اللثام عن علاقة المعرفة بالقدرة على فرض القوَّة وتأثير ذلك على الأفراد، والذي بدوره يصنع الصورة النهائية، أو بالأحرى الشخصية المتميزة للفرد، التي ترسم أُطُر علاقته بالمؤسسات المحيطة به، ومن ثم بالأفراد الذين يتعامل معهم، وهو ما يعني أن تأثير «بوشكين» قد انتقل من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين وأيضًا مشارف القرن الحادي والعشرين، واستطاع أن يعي ويفهم أيدلوجياته الأجيال اللاحقة من الفلاسفة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك