بصوت متهدج ودموع صامتة، تخرج كلمات زوجة الأسير زكريا نصار مثخنة بآلام الفراق والهلع، بعد سماعها بـ«قانون إعدام الأسرى» الذى صدَّق عليه الكنيست الإسرائيلى فى نهاية شهر مارس الماضى.
تقول زوجة الأسير وهى تنظر لصورته التى لا تفارق يدها: «ليته يسمعنى، إننى فى غاية الشوق لرؤيته، أتمنى أن يخرج من المعتقل، عندما سمعت عن قانون إعدام الأسرى، كزوجة أسير، نزل علىَّ الخبر كالصاعقة، هذا القانون يعدم حرية الأسير فى الحياة.
لا يستطيع الأسير أن يطالب بأى من حقوقه، أخشى على زوجى كثيراً من تنفيذ القانون ولا أدرى ماذا أفعل، لقد فقدت اثنين من أولادى، والثالث أصيب بالعمى، جراء القصف الإسرائيلى، وعندما رتب لى المحامى زيارة له لم أستطع الذهاب فماذا سأقول له، قلت للمحامى ألا يخبره باستشهاد ولديه، لكننى أعانى بشدة بعد أن فقدتهما، وفقد ابنى الثالث بصره، والآن أعول طفلين.
لا أدرى كيف سأعيش مع هذا الألم والخوف وقلة الحيلة».
شيماء نصار، من قطاع غزة، واحدة من آلاف زوجات الأسرى اللاتى يعشن على أمل اللقاء بأزواجهن، إلى أن أقر الاحتلال قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، فما هو القانون بالضبط؟ وما هى المخاوف والعقبات التى تواجهها شيماء وكل عائلات الأسرى الآن؟هو قانون إسرائيلى جديد يُعرف بقانون عقوبة الاعدام للإرهابيين (أو تعديل قانون العقوبات- عقوبة الإعدام للإرهابيين من وجهة نظر الاحتلال الإسرائيلى) أقره الكنيست نهائياً فى 30 مارس الماضى بأغلبية 62 صوتاً مقابل 48 مع امتناع واحد.
يفرض القانون عقوبة الإعدام شنقاً كحكم افتراضى (أصلى) على الفلسطينيين المدانين فى المحاكم العسكرية بالضفة الغربية بـ«قتل متعمد» يُعتبر عملاً إرهابياً (وفق قانون مكافحة الإرهاب عام 2016)، إذا كان الهدف إنكار وجود دولة إسرائيل، أو إلحاق الضرر بها.
فى المحاكم المدنية داخل إسرائيل: الإعدام أو السجن المؤبد لمن يقتل بدافع إنكار وجود الدولة، ويتردد حتى الآن أن القانون لا يسرى على الأسرى الحاليين قبل إقراره فى الشهر الماضى، بل على العمليات الجديدة بعد إقراره.
وينفذ الحكم خلال 90 يوماً (قابل للتأجيل إلى 180 يوماً)، ويُحتجز المدانون فى منشآت مع قيود على الزيارات والاستشارات القانونية تتم عبر فيديو فقط، القانون مدفوع أساساً من حزب «القوة اليهودية» بزعامة وزير الأمن القومى إيتمار بن غفير، كجزء من اتفاق الائتلاف الحكومى مع الليكود.
والحكومة الإسرائيلية، رغم قدرتها على تجاهله وعدم تنفيذه إن أرادت حتى بعد إقراره من الكنيست، إلا أنها، برئاسة بنيامين نتنياهو، تدعمه بشدة وصوَّت نتنياهو شخصياً لصالحه، ويُعتبر القانون تتويجاً لسياسة اليمين المتطرف لردع المقاومة (الإرهاب بوصفهم) بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، ويرفضون فكرة «الباب الدوار» للأسرى المفرج عنهم.
لقد أثار القانون جدلاً دولياً حاداً وإدانات واسعة، الاتحاد الأوروبى وبريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى وصفته بالتمييزى وتهديد للديمقراطية الإسرائيلية، فضلاً عن منظمات حقوقية مثل (أمنستى، هيومن رايتس ووتش، جمعية حقوق المواطن، وخبراء الأمم المتحدة)، إذ يشكل «جريمة حرب» محتملة، وينتهك اتفاقيات جنيف، والعهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويطبق عقوبة إلزامية تمييزية (يستهدف الفلسطينيين عملياً، بينما يصعب تطبيقه على الإسرائيليين اليهود بسبب شرط النية)، ومن هنا يُعتبر القانون جريمة حرب وتشريعاً للقتل.
رغم اعتماد القانون رسمياً وأصبح نافذاً منذ إقراره، لكن التطبيق العملى محدود جداً حالياً، فإسرائيل لم تنفذ إعداماً قضائياً منذ إعدام «أيخمان» عام 1962، وعقوبة الاعدام نادرة جداً فى تاريخها، كما أن القانون يواجه طعوناً قضائية أمام المحكمة العليا التى لم تُصدر حكماً نهائياً بعد، إذ قُدمت عدة التماسات عاجلة فور إقراره.
إن مشروعية القانون محل شك كبير، لأنه تمييز- عنصرى وغير دستورى، ويخلق نظامين قانونيين (عسكرى للفلسطينيين أشد، ومدنى للإسرائيليين)، وينتهك القوانين الأساسية الإسرائيلية (كرامة الإنسان، والحرية، والمساواة)، كما أن الكنيست لا يمتلك سلطة تشريع على الأراضى المحتلة (الضفة الغربية) والسلطة لدى القائد العسكرى، وهو انتهاك صارخ لحقوق الإنسان وعقوبته تمييزية تمنع الاستئناف الكافى، وتخالف القانون الدولى الذى يحظر العقوبات التعسفية والتمييزية.
يرى خبراء قانونيون دوليون وإسرائيليون بأنه غير دستورى بوضوح، وجريمة أخلاقية، وأن المحكمة العليا الإسرائيلية ملزمة بإبطاله، لأنه يتعارض مع قيم إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.
صحيح أن القانون تم اعتماده سياسياً من الحكومة اليمينية، لكنه لا يزال مثار جدل دولى كبير، ومشروعيته الدستورية والدولية ضعيفة، ومن المتوقع أن يواجه صعوبة كبيرة أمام المحكمة العليا التى أبطلت قوانين سابقة مشابهة، وحتى لو نجا القانون، فإن تطبيقه العملى (إعدام فعلى) غير مضمون العواقب، بسبب الضغوط الدولية والقانونية، وصورة إسرائيل كدولة ديمقراطية، إذ إن عقوبة الاعدام فى إسرائيل موجودة نظرياً فى القانون الإسرائيلى منذ عام 1948 (الخيانة، جرائم حرب، إبادة جماعية) لكنه لم يُنفَّذ إلا مرة واحدة فى (أدولف أيخمان عام 1962، بسبب جرائم الهولوكوست)، ومنذ ذلك الحين لم يُعدم أى شخص فى قضايا إرهاب أو قتل عادية، والمحاكم العسكرية كانت تستطيع فرضه سابقاً، لكنها لم تفعل أبداً.
والأهم أنه لا يوجد دليل علمى على أن عقوبة الإعدام تردع إرهاباً أو تغير من عقيدة مقاومة على مر التاريخ، لذا حذر مسئولو الأمن الإسرائيليون الكبار، مثل ممثلى الجيش، مراراً بأنه لا يردع، وقد يؤدى إلى تصعيد انتقامى وهجمات جديدة أشد قسوة، فهو لا يحل المشكلة الأمنية، بل يفاقم الاحتلال والقمع دون أى تأثير حقيقى على المقاومة كظاهرة سياسية - اجتماعية.
عقيدة المقاومة ترى الموت شهادة، والإعدام قد يحفز بدلاً من أن يردع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك