من الجميل أن تقوم قناة الوثائقية المصرية بصنع فيلم عن الفنان الراحل أحمد عدوية، وهي، على حد علمي، المرة الأولى التي تحتفي بها قناة رسمية مصرية احتفاء جدياً بالمغني الأسطورة الذي طالما تم استبعاده من محطات الإذاعة والتليفزيون الرسميين، وطالما تعامل معه الوسط الثقافي من سبعينات إلى تسعينات القرن الماضي ليس فقط بتعالٍ نخبوي، ولكن أيضاً بنوع من التحقير معتبرين إياه أحد إفرازات الانقلاب السياسي والاجتماعي الذي حدث في مصر بعد 1973.
الفيلم الذي تبلغ مدة عرضه حوالي ساعة ويحمل عنوان «عدوية.
سلطان أهل الهوى» يرصد مسيرة المغني الذي لمع في فترة مفصلية من تاريخ مصر، وأثار جدلاً هائلاً بسبب شعبيته الهائلة لدى الأوساط الشعبية، ساحباً البساط من نجوم الغناء «الرسمي» آنذاك، في الوقت الذي أبدت فيه المؤسسات الفنية الرسمية وكثير من أبناء الطبقة الوسطى الحاكمة تحفظهم ونفورهم من «خشونة» ألحان وكلمات أغانيه، أو كما يقول الناقد محمود عبدالشكور في الفيلم باعتباره أحد مظاهر انهيار الطبقة الوسطى والانفتاح، أو كما يرى الباحث أندرو سايمون باعتباره أحد آثار ثقافة الكاسيت والسفر إلى الخليج، وصعود فئات أصبحت تملك مال الطبقة الوسطى والعليا، ولكن ذوقها الفني ظل بدائياً وفقيراً، سواء كانوا مَن يترددون على «كباريهات» شارع الهرم، التي شهدت مجد عدوية، أو الذين يشترون «شرائط» أغانيه، أو يذهبون إلى دور العرض السينمائي التي تعرض أفلامه.
أتذكر جيداً اليوم الذي ذهبت فيه إلى نادي القصة بجاردن سيتي في 1979، وكنت لا أزال طالباً في المدرسة الثانوية أكتب بعض القصص والأشعار، وهناك استمعت إلى الأديب الراحل عبدالعال الحمامصي يتلو قصته «هذا الصوت وآخرون»، التي ترصد مظاهر التردي وانهيار القيم في المجتمع، والتي يصحبها دوماً صوت أحمد عدوية!من الطريف أن فيلم الوثائقية يذكر مثلاً آخر هو فيلم «أنياب» للمخرج محمد شبل، والذي شارك في بطولته أحمد عدوية وعلى الحجار، وعرض في 1981، ويلعب فيه «عدوية» شخصية تشبه الكونت دراكولا مصاص الدماء، ويتجسد، مثل قصة الحمامصي، في اللصوص والفاسدين وعديمي الذوق الفني في المجتمع.
لا أحد يشكك في موهبة «عدوية» كمغنٍ أو في حلاوة بعض أغانيه التي تتميز بـ«السلطنة» والعذوبة.
ولا أحد ينكر أنه اكتسب بمرور السنين معجبين به من المثقفين ومتعلمي الطبقة الوسطى، والكثير من «دراويش» مواقع التواصل من الأجيال الشابة، ومن مطربي الأغاني الشعبية الذين يقدسونه ويعتبرونه مثلهم الأعلى.
ولكن الحقيقة أن هناك مبالغات في تقدير أغاني عدوية لا تقل عن المبالغات التي كانت تعتبر صوته تجسيداً لانهيار الذوق والأخلاق.
لعدوية ما يقرب من عشر أو خمس عشرة أغنية يمكن الاستماع إليها والاستمتاع بها الآن، ولكنه صنع الكثير من الأعمال الغثة، لحناً وشعراً، والكثير من أعماله سيئة التوزيع رديئة التسجيل، وبعضها صاخب وممل.
التعامل مع «عدوية» كفنان كبير لا يقل ظلماً عن التعامل معه كنموذج للرداءة، وقد شهدنا هذا الاستقطاب في حالات مشابهة، مثل فاطمة عيد وشعبان عبدالرحيم وعبدالباسط حمودة وغيرهم من أساطين الغناء الشعبي، بحلوه ومره، وطينه وعبله.
ومثلما نحتاج إلى فهم وتقدير الغناء الشعبي، فمن المطلوب أيضاً أن نفرز الجيد منه، ونتحفظ على بدائية ألحان ومحدودية كلمات الكثير منه.
وبالعودة إلى فيلم «عدوية» فهو، بجانب كونه رد اعتبار لعدوية وميراثه، يتميز بالمادة البحثية الجيدة والإيقاع السريع وتنوع الضيوف، الذين غطوا الكثير من جوانب حياة وفن عدوية، وإن كان المجال يتسع لمزيد من الأعمال التي تقيّم هذه الأعمال وتأثيرها بموضوعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك