خصّصت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية صفحتين في عددها الصادر اليوم الاثنين، عن زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر في إطار جولة إفريقية تمتد لعشرة أيام.
أوضحت الصحيفة أن هذه الزيارة تحمل طابعاً تاريخياً ودينياً خاصاً، إذ تأتي بعد ثلاثين عاماً من الأحداث الدامية التي شهدتها الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي، حين تعرض عدد من رجال الدين الكاثوليك للقتل.
ويعود جزء من هذا القرار إلى لحظة انتخابه في الثامن من مايو عام 2025، وهو تاريخ يرتبط في ذاكرة الكنيسة ببداية تلك الاعتداءات التي أودت بحياة 19 راهباً وراهبة، الذين اعتبرتهم الكنيسة لاحقاً شهداء.
الزيارة تأتي بعد ثلاثين عاماً من الأحداث الدامية التي شهدتها الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي، حين تعرض عدد من رجال الدين الكاثوليك للقتلخلال تلك الفترة، لفت رئيس أساقفة الجزائر انتباه البابا الجديد إلى رمزية هذا التاريخ، مقترحاً عليه القيام بزيارة إلى الجزائر، وهو ما قوبل بقبول فوري، خاصة أن البابا كان على دراية مسبقة بتلك الأحداث، وقد سبق له زيارة البلاد في مناسبات سابقة.
هذا البعد الروحي المرتبط بذكرى الضحايا شكّل أحد الدوافع الأساسية لهذه الرحلة، توضح “لوفيغارو”.
إلى جانب ذلك، تحتل شخصية القديس أوغسطينوس مكانة محورية في هذه الزيارة، فهو من أبرز أعلام الفكر المسيحي، وقد وُلد في شمال إفريقيا وتوفي في مدينة عنابة الحالية.
ويُنظر إليه كشخصية جامعة تحظى باحترام واسع في الجزائر، مما يجعله جسراً رمزياً بين الثقافتين المسيحية والإسلامية.
وقد عبّر البابا عن رغبته في زيارة الأماكن المرتبطة به، معتبراً أن إرثه الفكري والروحي يمكن أن يسهم في تعزيز الحوار بين الأديان.
وتابعت “لوفيغارو” موضّحةً أن هذه الزيارة تسعى أيضاً إلى دعم فكرة التعايش الديني في بلد يشكل المسلمون فيه الأغلبية الساحقة، حيث يمثل المسيحيون نسبة ضئيلة جداً من السكان.
ورغم أن حرية العبادة مضمونة من الناحية القانونية، فإن النشاط التبشيري يخضع لقيود صارمة، كما أن التحول الديني يظل موضوعاً حساساً على المستوى الاجتماعي.
يتضمن برنامج الزيارة محطات رمزية عديدة، من بينها زيارة مقام الشهيد في العاصمة، ولقاء كبار المسؤولين، إضافة إلى زيارة المسجد الكبير، في خطوة تعكس الانفتاح على الحوار مع العالم الإسلامي.
كما سيزور البابا أماكن مرتبطة بضحايا العنف، ويلتقي بأفراد من الجالية المسيحية، في رسالة تضامن ودعم.
ورغم رمزية دير تيبحيرين، حيث قُتل سبعة رهبان في تسعينيات القرن الماضي، فإن الزيارة لن تشمل هذا الموقع، نظراً لحساسية الملف.
ومع ذلك، تبقى ذكرى تلك الأحداث حاضرة بقوة في خلفية هذه الرحلة، تشير “لوفيغارو”، مضيفةً أنه في المجمل، لا تقتصر هذه الزيارة على بعدها الديني، بل تحمل أيضاً رسائل إنسانية وسياسية، إذ يسعى البابا من خلالها إلى التأكيد على أهمية الحوار والتفاهم بين الشعوب، وإبراز دور الدين كعامل تقارب لا صراع.
في عنابة.
إرث القديس أوغسطينوس في صميم الزيارة البابويةمضت “لوفيغارو”، في مقال آخر، موضّحة أن السلطات المحلية في عنابة تكثف منذ حوالي عشرة أيام جهودها: تنظيف الموقع الأثري، إعادة فتح المتحف مع إضافة مركز حديث مخصص للقديس أوغسطينوس، وأعمال طلاء وترميم الأثاث الكنسي داخل الكنيسة.
وتُلقّب الكنيسة بـ“لالة بونة” (السيدة البونية)، وهو اسم يُطلقه عليها سكان عنابة بمودة، حيث تستعيد جمالها استعدادًا لاستقبال البابا ليو الرابع عشر في اليوم الثاني من زيارته إلى الجزائر.
ففي عنابة، على بُعد نحو 500 كيلومتر شرق الجزائر العاصمة، وعلى الساحل المتوسطي، تمتد على أطراف المدينة بقايا هيبون، إحدى كبريات مدن إفريقيا الرومانية.
وعلى هذه الآثار، ترتفع كنيسة القديس أوغسطينوس، تكريمًا لمن كان أسقف هيبون من عام 395 حتى وفاته عام 430، في وقت كانت فيه المدينة محاصرة من قبل الوندال.
وتقول وثائق كنيسة الجزائر: “ يُكرَّم الإله على تلّة هيبون من خلال الصلاة في الكنيسة، ومن خلال خدمة الفقراء في دار المسنين التي تديرها راهبات الأخوات الصغيرات للفقراء”.
البابا عبر عن أمله في زيارة الجزائر للتعرف على أماكن حياة القديس أوغسطينوس، وكذلك لتعزيز الحوار بين العالمين المسيحي والإسلامييقول الأب فريد ويكيسا، رئيس الكنيسة، في وسائل الإعلام المحلية: “هذه الزيارة هدية ونعمة! ”.
ففي عام 1839، أراد الأسقف دوبوش، أسقف الجزائر، وهو من المعجبين الكبار بالقديس أوغسطينوس، إعادة مجد هيبون القديمة، ووضع أسس مشروع ضخم يضم كنيسة ومكتبة وديرًا وبيت ضيافة، لكن المشروع لم يكتمل.
لاحقًا، بدأ البناء مع الكاردينال لافيجيري، رئيس أساقفة الجزائر، حيث وُضع حجر الأساس عام 1881، وتم تدشين الكنيسة في 29 مارس 1900.
وفي هذه الكنيسة سيترأس البابا قداسا، مؤكدا مرة أخرى ارتباطه العميق بالقديس أوغسطينوس.
وقد وُلد هذا اللاهوتي في سوق أهراس، وكان له تأثير كبير على الفكر المسيحي.
وقد اعتُبر لفترة طويلة من قبل بعض النخب الجزائرية رمزًا للاستعمار الروماني، إلى أن تمت إعادة الاعتبار له رسميًا عام 2001 من قبل الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، الذي خصص له مؤتمرًا دوليًا في عنابة، شارك فيه القس الأمريكي روبرت بريفوست، الرئيس العام لرهبنة القديس أوغسطينوس، والذي أصبح لاحقًا البابا الحالي.
وكان البابا قد عبر في ديسمبر الماضي عن أمله في زيارة الجزائر للتعرف على أماكن حياة القديس أوغسطينوس، وكذلك لتعزيز الحوار بين العالمين المسيحي والإسلامي، معتبرًا أن شخصية أوغسطينوس تساعد على بناء جسور بين الثقافات، خاصة أنه يُحترم في الجزائر باعتباره ابن البلاد.
وخلال لقائهما في يوليو عام 2025 في الفاتيكان، قدّم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للبابا غصنًا من شجرة زيتون يُعتقد أنها مرتبطة بالقديس أوغسطينوس، وهي شجرة موجودة في منطقة ميلاده، حيث كان يتأمل لساعات طويلة حسب الروايات.
وكتب روبرت بريفوست في عام 2011 أن رهبنة أوغسطينوس تسعى للبقاء حاضرة في عنابة، وأن ترميم الكنيسة مهم لتظل رمزًا يجمع الناس من مختلف الأصول، ويُبرز أهمية القديس أوغسطينوس في الماضي والحاضر والمستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك