حرب انتهت، ودولة جديدة تنشأ من تحت الرماد، يعوّل عليها الشعب السوري كل آماله في استراحة محارب، بعد حروب طويلة أخذت منه المستقبل نفسه.
أقف اليوم أمام هذا الوطن الذي يحاول أن ينهض، وأرى جيلا صاعدا يحمل فكرا مختلفا تماما، يحلم بغد أفضل، لكنه لا يندمج بعد مع قسوة الواقع وثقل السنين.
الثقة والكفاءة تكمنان في كيفية تحقيق النهوض المنشود وكسب ثقة الشارع، مع الحفاظ على مكانة الكفاءات الحقيقية والخبرات المتراكمةظاهرة مقلقة تتسلل بهدوء إلى بعض مفاصل الدولة والمؤسسات: اعتماد نمط «الاستعراض الرقمي» وتسليع قضايا الشأن العام.
يعتمد هذا النمط على أدوات الترويج السريع كالمؤثرين وصناع المحتوى، بحثا عن تصفيق رقمي فوري وتضخيم للإنجازات الظاهرية، على حساب الاستراتيجية العقلانية البعيدة في النظر، والتي تحتاجها مرحلة إعادة بناء الوطن الحقيقي.
وإن كان هذا التوجه مفهوما تحت ضغط المطالب الشعبية الملحة والشارع الذي يتوق إلى رؤية نتائج سريعة، فإنني أخشى أن يهدر فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس متينة ومستدامة، بعيدا عن بريق الوهم الرقمي.
يؤدي هذا النهج إلى تعميق الفجوة بين الصخب الإعلامي وقسوة الواقع المعيشي اليومي.
يصبح فيه الانطباع أهم من الجوهر، والواجهة أسمى من الإنجاز الحقيقي.
وبالتالي، يستدعي الأمر إعادة النظر في دور الإعلام المهني التقليدي مقارنة بالإعلام الرقمي الجديد، ومخاطر «المسكنات البصرية» والشعبوية التي تحل محل المكاشفة الهادئة التي تضع الأمور في سياقها الطبيعي دون مبالغة أو تشويه.
معادلة صعبة، فالثقة والكفاءة تكمنان في كيفية تحقيق النهوض المنشود وكسب ثقة الشارع، مع الحفاظ على مكانة الكفاءات الحقيقية والخبرات المتراكمة.
لقد وقعت بعض مفاصل الدولة في فخ «الاستعراض الرقمي»، حيث أصبح صناع المحتوى أداة الوصول الجماهيري الأسهل، على حساب الخبرة المهنية العميقة.
انزاح التركيز تدريجيا من جوهر الإنجاز وقيمته الفعلية إلى جماليات العرض وشكليات الفعاليات.
منحت الشهرة الافتراضية أصحابها نفوذا وتقديرا يتجاوزان معايير الاستحقاق التقليدية، محولة المواطن من شريك فاعل في العملية التنموية إلى مجرد مستهلك للسياسات.
يتابع الشارع السوري هذه الفعاليات بعين نقدية فاحصة، مركزا على «هوية الحاضرين» أكثر من الحدث نفسه.
تتصدر المشهد وجوه مألوفة من عالم التواصل الاجتماعي، مما يثير تساؤلات مشروعة حول معايير اختيارهم وغياب الشفافية في طبيعة التعاقدات.
تحول الحضور في مثل هذه المناسبات إلى معيار لقياس النفوذ الاجتماعي والقرب من مراكز القرار، وأصبح مادة يومية للنقاش السلبي.
كثيرا من الأكاديميين السوريين الذين أصبحوا اليوم أصحاب مناصب مرموقة وسياسيين مؤثرين في أوروبا وأميركا، باتوا شبه معدومي الظهور في الإعلام السوري وفي فعاليات الداخلالتأثير على الأجيال ونزيف الكفاءاتلا يقتصر الخطر على اللحظة الراهنة، بل يمتد إلى رسائل جوهرية توجهها هذه الممارسات للأجيال الشابة حول مفاهيم النجاح والتقدير.
يراقب المراهقون والشباب بدقة من يقدم في الصفوف الأمامية، فيتساءلون: هل النجاح ثمرة تراكم الخبرات والتحصيل العلمي، أم نتاج «ضخامة الأرقام» والتفاعل الرقمي بغض النظر عن جودة المحتوى؟امتدت هذه العدوى إلى القطاع الخاص أيضا.
في المؤسسات الإعلامية مثلا، كانت النجومية تبنى عبر سنوات من الخبرة الميدانية.
أما اليوم، فباتت بعض المنصات تبحث عن «نجوم جاهزين» يمتلكون قاعدة جماهيرية رقمية، لتوظيف شهرتهم في التسويق.
ورغم المكاسب القصيرة الأمد، فإن هذا التوجه يهدد بتقليص الفرص أمام المواهب الحقيقية، ويسطح مفهوم النجاح.
والأكثر إيلاما أن كثيرا من الأكاديميين السوريين الذين أصبحوا اليوم أصحاب مناصب مرموقة وسياسيين مؤثرين في أوروبا وأميركا، باتوا شبه معدومي الظهور في الإعلام السوري وفي فعاليات الداخل.
هذا غياب يحسب نقطة سلبية واضحة على وزارة الخارجية والمغتربين.
فالاستفادة الحقيقية من هذه الشريحة الثمينة في بناء الدولة وإعادة تأسيس مؤسساتها أهم بكثير من الظهور المتكرر مع أصحاب تيك توك والمؤثرين، وتكريمهم على نشاطات لا أعلم إن كانت ستبني الدولة أم الإنسان، كما حدث تماما في السفارة السورية في برلين.
عندما تتحول الشهرة الرقمية إلى المعيار الأبرز، يتلقى الخبراء والأكاديميون والمبدعون رسائل ضمنية مفادها أن سنوات التحصيل والعطاء لم تعد تحظى بالتقدير الكافي.
ينشأ لديهم شعور بالاغتراب المهني، أو ما يمكن تسميته «الهجرة النفسية»، فيبتعدون تدريجيا عن الشأن العام.
يفقد المجتمع بذلك مرجعياته الحقيقية، وتضعف بنية المؤسسات، وتتلاشى القدوة أمام الأجيال الجديدة.
كما أن تصدير المحتوى السطحي يؤثر سلبا على منظومة القيم، إذ يربط النجاح بالانتشار اللحظي بدلا من المسار الطويل للتعلم والتخصص.
يتراجع الاهتمام بالعلوم والمهن العميقة، مما يهدد بخلق فجوة مستقبلية في الكفاءات النوعية التي تحتاجها عملية إعادة البناء.
الدعاية تجذب الانتباه مؤقتا، أما المصداقية التي تبنيها الكفاءات الحقيقية فهي وحدها القادرة على ترسيخ ثقة مستدامةلا تكمن المشكلة في صناعة المحتوى بحد ذاتها، فهناك مؤثرون مجتهدون يقدمون محتوى هادفا يبني الوعي.
المشكلة في غياب المعايير الواضحة للتوظيف التي تفضل الصخب على القيمة.
إن البلد الذي يعيد بناء نفسه يحتاج أولا إلى المصداقية أكثر من حاجته إلى الدعاية الزائفة.
فالدعاية تجذب الانتباه مؤقتا، أما المصداقية التي تبنيها الكفاءات الحقيقية فهي وحدها القادرة على ترسيخ ثقة مستدامة.
في هذه المرحلة الحساسة، ينبغي أن يركز الرهان على عمق الإنجاز وجودته، لا على كثافة الحضور الإعلامي.
ويصبح من الضروري ترسيخ معايير واضحة تضع الكفاءة في مكانها الطبيعي، وتعيد تعريف النجاح بوصفه ثمرة العمل الجاد والخبرة المتراكمة، بعيدا عن بريق اللقطات العابرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك