تشهد أوكرانيا أزمة تجنيد خطرة في وقت حذر فولوديمير زيلينسكي من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط سيعرقل جهود بلاده لمواجهة الغزو الروسي، وفي وقت سابق من هذا العام اعترف وزير الدفاع الأوكراني ميخائيلو فيدوروف بوجود مليوني متهرب من التجنيد، ومئات الآلاف من المتغيبين من دون إذن رسمي.
وتحدثت صحيفة" اندبندنت" مع أوكرانيين في الميدان حول الواقع الحالي في وقت تتصاعد الضغوط في أماكن أخرى على هذا البلد الذي مزقته الحرب إرباً، فخلال الأسابيع الأخيرة حولت إدارة ترمب تركيزها من أوكرانيا إلى الصراع مع إيران، فيما تعثرت محادثات السلام وشنّ فلاديمير بوتين هجومه الربيعي الأخير.
وقد حذر زيلينسكي في مقابلة نُشرت يوم عيد الفصح من أن إطالة أمد الحرب في الشرق الأوسط قد تضعف دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا بصورة أكبر، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض شحنات صواريخ باتريوت الجوية الدفاعية الحيوية.
منذ بدء الغزو الشامل عليها قبل أربعة أعوام تحدت أوكرانيا أفضل تقديرات حلفائها وصدت الهجوم الروسي، وهي تنتقل الآن إلى حرب استنزاف وتتفاخر بأن قواتها تقتل عدداً أكبر من الروس مما تستطيع موسكو تجنيده شهرياً.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ولكن مع تغير طبيعة الحرب في أوكرانيا من دفاع باسل ضد صراع دموي أوائل عام 2022 إلى صراع مرهق لا هوادة فيه ولا يتوقع كثير ممن يُرسلون إلى جبهة القتال فيه العودة منها، كشف الوزير فيدوروف للبرلمان في يناير (كانون الثاني) الماضي عن حجم مشكلة التجنيد الإجباري، فإضافة إلى مليوني أوكراني مطلوبين بتهمة التهرب من التجنيد، تقول النيابة العامة الأوكرانية إن نحو 290 ألف قضية فُتحت منذ عام 2022 ضد جنود بتهمة التخلي عن مواقعهم، ونشر بعض الجنود مقاطع فيديو وثقوا فيها هربهم من التجنيد الإجباري أو الخدمة العسكرية عبر جبال الكاربات إلى المنفى في البلدان المجاورة.
وعلى رغم أن فرص نجاتهم أفضل بكثير مما يمكن لأي جندي روسي أن يرجوه، فإن" عدد القتلى" في صفوفهم يُقدر بقتيل أوكراني واحد في مقابل كل ثمانية روس أو أكثر.
يقول" دينيس" (37 سنة) الذي تخلّف عن التجنيد الإجباري" في بداية الحرب ذهبتُ بنفسي إلى مكتب التجنيد وكان الجميع حينها يسارعون إلى هناك قائلين 'خذونا' وكنتُ مثلهم تماماً، لكنهم قالوا لي لا نحتاجك حالياً اذهب إلى المنزل وسنتصل بك"، مضيفاً" لكن لاحقاً رأيت كل ما كان يحدث، الظلم وكُثر يدفعون المال للتخلص من التجنيد، والمحصنين منه، بينما يُدفع بآخرين إلى الحافلة على رغم إصابتهم بأمراض".
ويتابع" في الوقت الحالي والدي مريض وعليّ أن أعتني به، وإن فقدت ذراعي أو ساقي فلن أتمكن من مساعدة أي شخص بعد ذلك، لكن إذا وصل الروس إلى خارج كييف مرة أخرى والتحق الجميع بالخدمة فسأذهب أنا أيضاً".
على خطوط القتال الأمامية يقول جنود في وحدات الاستطلاع، هوياتهم معروفة لـ" اندبندنت"، إنهم منهكون لكنهم يدركون في الوقت نفسه أنهم مفيدون للغاية ولا يمكن استبدالهم من خلال التناوب، وقرب زابوريجيا يقول قائد طائرة مسيّرة إنه خدم في صفوف المشاة مدة ثلاثة أعوام متواصلة قبل أن ينتقل إلى قيادة الطائرات المسيّرة.
وبرأي رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوكراني، أولكسندر ميريزكو، فإن" الناس ينظرون إلى الالتحاق بالجيش على أنه طريق بلا عودة لأنهم لا يرون أي تناوب للجنود"، مضيفاً" لو علموا أنهم سيقاتلون مدة عام واحد فقط، وبعد ذلك يمكنهم الحصول على قسط من الراحة، لكانوا أكثر استعداداً للانضمام إلى الجيش".
ويكمل" هذه المسألة نفسية لأننا إذا نظرنا إلى عدد الرجال نجد أن لدينا موارد بشرية كافية لمواصلة القتال مدة 10 أعوام أو أكثر، لكن المشكلة الأساس هي كيفية إدارة هذه الموارد وكيفية خلق حوافز نفسية، لأنه إذا كنت ترى جيشاً من المتهربين من التجنيد فلن ترغب في القتال بنفسك".
واعتمدت أوكرانيا على أعداد هائلة من المتطوعين بداية الغزو الروسي وتجنبت تجنيد الشباب في القتال، وعندما فُرض التجنيد الإجباري كان ذلك للرجال فوق سن الـ 30، ولا يزال الحد الأدنى للخدمة الإجبارية هو 25 سنة، وإضافة إلى ذلك سُمح لمن تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة بمغادرة البلاد العام الماضي، واختار مئات الآلاف القيام بذلك.
وفي هذا السياق أكد حزب" خادم الشعب" الحاكم بزعامة زيلينسكي ضرورة تجنيب الشباب أسوأ ما في الحرب لأنهم يمثلون مستقبل الأمة، وقد ثبت فشل مخطط يهدف إلى تقديم حوافز لهم تحثهم على الانضمام إلى القوات المسلحة، تشمل مزايا انضمام ضخمة، بعد انتشار تقارير في الصحافة المحلية عن وقوع خسائر بشرية كبيرة.
يقول قائد فوج" رايد" لمشغلي الطائرات المسيّرة الذي تطوع للخدمة عندما غزت روسيا أوكرانيا للمرة الأولى عام 2014، يفهين كاراس، " لم تُكسب أي حرب كبرى بفضل المتطوعين".
قبل عامين في سلوفيانسك تكلم رائد في كتيبة مشاة عن قيام ضابطه الأعلى بتلقي رشى لمنح الجنود إجازات، وعن تحديده سعراً أعلى لإبقائهم بعيدين من خط المواجهة، وبيعه الحصص الغذائية والموارد الأخرى المخصصة للجنود الفارين من الخدمة، ويقول كاراس" نشهد كثيراً من الفضائح المتعلقة بمشكلات التعبئة، وبصفتي أحد المتطوعين عامي 2014 و2022 أفهم أنه لا يمكن لأي دولة في العالم أن توافر ما يكفي من القوى البشرية للقتال، فنحن بحاجة إلى ملايين المتطوعين".
من خلال منصبه الوزاري يقود خريج إدارة الأعمال من" جامعة يال"، فيدوروف، مشروعاً لتحويل القوات الأوكرانية إلى مراكز تعتمد على البيانات، تتخذ فيها القرارات بناء على الإحصاءات وأنظمة الإبلاغ الصارمة التي اُستحدثت للقضاء على الفساد، ويعتقد موظفوه أن التركيز على حل مشكلات القوى البشرية سيزداد بصورة كبيرة، على رغم أن أوكرانيا قد صمدت بثبات على الجبهة خلال الأعوام الأربعة الماضية.
ويقول قائد الفيلق الثالث الذي يسيطر على حوالى 12 في المئة من خط الجبهة، العميد أندري بيليتسكي، إن اللواء الثالث الذي شكله وأصبح الآن جزءاً من الفيلق الثالث، فاق عدد المتقدمين إليه العدد المطلوب وقوامه" 90 في المئة من المتطوعين".
خلال الأعوام الأربعة الماضية تحولت أوكرانيا من جيش على الطراز السوفياتي إلى رائد عالمي في حرب الطائرات المسيّرة الحديثة، لكن كثيراً من الضباط والجنود يقولون إن أسلوب بعض القادة الكبار لم يواكب هذا التطور، ولا يزال الجنود في الميدان يُواجهون بموقف اللامبالاة" على الطراز السوفياتي".
ويضيف بيليتسكي" الناس يذهبون إلى الأماكن التي يثقون فيها بمبدأ الوحدة وقادتها، يثقون بوجود مستوى عال من التعليم وإدارة رفيعة ومجموعات متماسكة وتجهيزات جيدة".
يواجه المتخلفون عن التجنيد الإجباري في أوكرانيا خطر التعرض للمطاردة في الشوارع وإرسالهم إلى أخطر المناطق التي تقل فرص عودتهم منها، ونتيجة لذلك يعيش كثيرون مختبئين عندما يتعذر عليهم الفرار، ويتجنبون بالكامل الظهور في الأماكن العامة خوفاً من إلقاء القبض عليهم واقتيادهم قسراً فور التعرف عليهم.
ويقول بيليتسكي" امنح هؤلاء الناس الثقة بأنهم سيحصلون على تدريب جيد وقائد جيد، وسيذهب معظمهم [للتسجيل]، وحسّن التدريب وحسّن جودة الرقباء والضباط الأدنى رتبة وستحصل على أعداد طبيعية بعد التعبئة".
ويكمل شارحاً" بالنظر إلى الفارق في الخسائر بيننا وبين الروس، إذ يتراوح في المتوسط ما بين 8.
5 و11 ضعفاً، وإذا أخذنا هذه الخسائر في الاعتبار فإننا لا نحتاج إلى عدد هائل من المجندين"، ليختم" من الأفضل ألا نفكر في عددهم بل في جودتهم"، وهو ما يُفترض أن تتضح ملامحه قريباً على يد فيدوروف، مع اتساع نطاق التدقيق ليشمل كفاءة ونوعية القيادة العسكرية العليا في أوكرانيا.
أولكسندر تشوبكو أسهم في إعداد التقرير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك