مع كلّ رواية تاريخية تصدر في العالم العربي، تسيطر أسئلة دائمة حول جدوى هذه التجارب، وجدوى الرجوع إلى التاريخ لإعادة إحيائه، من خلال السرد وخلق الشخصيات، أو إعادة سرد سيرٍ لشخصيات معروفة، اعتمادا على التاريخ المكتوب أو المحفوظ والاعتماد على المتخيَّل، ولكن أن تبدأ براوية تعود إلى أصل الأسطورة، إلى ما قبل التاريخ، وتحيي الآلهة وتعيد صهر الحكايات الأسطورة بطريقة سردية حديثة، فهو أمر يدعو إلى التفاؤل، فكثيرا ما قرأنا نصوصا وشاهدنا أفلاما ومسلسلات تعيد إحياء أساطير اليونان والميتافيزيقا والآلهة والسرديات الخاصة بها، وغيرها من الحضارات، ولكننا مع رائد إبراهيم في رواية «فجر السلالات» (الرافدين 2025) نعود إلى ما قبل البداية في سومر، وفي حضارة بلاد ما بين النهرين العظيمة.
الرواية محفّزة منذ عنوانها، فيظن المتلقي أنه سيدخل عوالم سومر ومدنها وناسها وأساطير آلهتها، بعدما تأسست وانطلقت حضارتها، لكنه يفاجأ بسقوط «ألوليم» من السماء، فيها إيحاء لما يشبه أسطورة «آدم»، ولكن الرواية تريد التأكيد على أنّ من هبط من السماء، يعود إلى أساطير بلاد الرافدين، فتأخذه الرواية إلى حياة هذا القادم من السماء بين الحيوانات، منذ التقى بالغزلان، وحياته مع زاموك الأسد وزيا وكل الأسود، مرورا بحبه للخيل والجمال الذي لم يستطع مقاومته، هذه الحياة مع الحيوانات تأخذ مساحة كبيرة في بداية الرواية، فيخال المتلقي أنه أمام نصّ رمزيّ لأحداث ومواقف تدور على ألسنة الحيوانات، ولكن النصّ يقول إنه يعود إلى ما قبل البدايات، والأسطورة تقول إن هذا القادم من السماء، وقبل تأسيس المدن وقبل أن يصبح ملكا، خالط الحيوانات وفهمها وصادقها، ولكن طالت قصصه مع الحيوانات، على الرغم من كل ما قد يظهر بوصفه رمزيّا ومشوّقا، وقد تأخر ظهور أدبا وأصحاب الرؤوس السوداء، وتأخرت قصة رحيلهم عن دلمون.
يظهر أهل دلمون ويحذّرهم أدبا من الطوفان، وبالفعل يتركون تلك الأرض ويسيرون نحو سومر، الأرض الموعودة، ومع أدبا وآيا أخته وجدته تظهر الآلهة، التي هي بالفعل المؤسسة لميثولوجيا بلاد ما بين النهرين وأساطيرها، إنانا الحفيدة، وإنكي إنليل، وهي الآلهة المعروفة في حضارتنا، ومعها تظهر إرشكيغال شقيقة إنانا، ونقرأ قصة الصراع بينهما، وفي نهاية الرواية تظهر ننهورساج العظيمة، وتلمّح الرواية إلى تنكّرها وعيشها مع الأسد الملك زاموك، وهنا تعيدنا الرواية إلى مراجعة الكثير من قصص ألوليم معهم، وحواراته وصداقاته.
يتعرّف ألوليم من البشر الغواتيم، ويحبّ ويأخذ أنثى تحمل وتموت، أو تقتل، غمغرنون، ومن بعدهم يظهر الأنوناكي، أما أصحاب الرؤوس السوداء فسيصبح ملكهم وينطلق معهم لبناء الحضارة في تأسيس مدن، كان يراها قبل أن تُبنى، مثل نيربو ولجش وأوما وأوروك وإيردو وغيرها…قصة أدبا ورحلته من دلمون إلى الأرض الموعودة سومر، وهنا أريد الإشارة إلى أنّ المؤلف يتبنى فيها وجهة نظرٍ واحدة يثبتها في نصه حول أصل السومريين، كانت القصة الأعمق والأكثر تأثيرا في الرواية، وهي القصة التي تتحدث عن الطوفان وتردّه إلى أصله السومري، وأدبا «الإنسي» وما أقنع به قومه وكيف ساروا معه، والتضحية التي قام بها ومات بسببها قبيل وصوله إلى سومر، حيث سيصبح ألوليم القادم من السماء ملكًا على قومه، تلك القصة، على الرغم من أن الرواية تتوسّع فيها وتأخذنا إلى دلمون وتصور رحلة هؤلاء القوم، إلا أنها كانت تحتمل أن تطول ويتم التعمق فيها، كحياة الوالد الذي تاه مثلًا، وقصة الجدة وطفولتها، على حساب قصص ألوليم مع الحيوانات، التي كانت تصل أحيانا لتقترب من قصص الأطفال وقصص كليلة ودمنة.
أما تصوير الآلهة بصورهم البشرية، على الرغم من بعض الأمور العجائبية والخارقة التي ظهرت قليلًا مع إنليل وإنكي، ومع تنكّر ننهورساج، فهي من النقاط الأقوى بالنسبة إلى الرواية، حيث ظهروا بشرا يتصارعون ويتحايلون، يخافون ويحبون ويكيدون المكائد، خصوصا ما حدث مع إنانا وإرشكيغال، وخصوصا مع من ظهر معهم من شخصيات مساعدة، هي بالفعل شخصيات ظهرت في الأساطير ولم يتم التركيز عليها، وهنا أعود إلى النقطة التي أضعفت النص، وكم كان سيصبح أقوى وأعمق لو أنه تمّ التخفيف من قصص ألوليم مع الحيوانات، والتعمق والتوسع من قصص آلهة بلادنا المؤسسين، فلو تم التوسّع حين التقت إنانا بأختها التي كانت تكشف ما تضمره، لشهدت الرواية تطوّرا مشوّقا ورمزيّا من النوع الثقيل.
الرواية تعود بالفعل إلى ما قبل التأسيس للحضارة التي نعرفها، وإلى علاقة الإنسان الأولى بالنار والماء، وعلاقته بالحيوان، قبل بناء المدن مع أصحاب الرؤوس السوداء، وقد ركّزت على المعلومات التاريخية وحاولت حبك القصص لتوصل قصص حضارة سومر بشكل يقرّبها من المتلقي، وهذا أمر نجحت فيه الرواية إلى حدّ كبير، وقدمت بعض الكلام السومري، كتابة في العناوين الفرعية، وخصوصا أسماء الشخصيات والآلهة، وفي المتن كاستخدام «سِليمّا.
هيمين.
» وكانت مقبولة ومفيدة لأنها كانت قليلة واستخدمت في الحوارات عند حاجة وضرورة، وهذا يعطي النصّ نقطة قوة حيث تعرّف المتلقي سريعا، ومن دون إجهاد النص بالكثير منها، معرفة مبسطة حول اللغة وكتابتها.
الرواية مشغولة بتعب وحبّ، وبحرص من كاتبها، لأن يوصل ما اختزنت ثقافته وقناعاته ودراساته من معلومات حول بلاده، وحول أنها «أساس» بالفعل في تأسيس الحضارة التي يعرفها العالم، وأن أساطيرها سابقة لأساطير شهيرة عالميّا، وفي عودته إلى ما قبل البدايات، ذكاء ومخاطرة، نجح إلى حدّ كبير من إتمام مهمة يهرب منها مبدعون كثر.
نهاية الرواية ذكية ومدروسة، فألوليم الذي سعى إلى العودة من حيث جاء، نراه يحمل النار بيمينه، وغُمرَي الخوف والحبّ بشماله، ويبتسم حين يختفي الأسد زاموك، ويضع قدمه ليخوض في الماء!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك