تتابع الرواية مسار شخصية «الحاج كيان»، منذ كان طالبا في جامع الزيتونة، إلى أن أصبح «هُزٍّيا» في ماخور العنابية.
وكانت نقطة تحوله طريفة؛ فبعدما سمع شيخ التوحيد يقول عن حسن البنا، إنه كان «يستنهض المسلمين، فكما كان يدخل المقاهي والملاعـب والمسـارح، ويقـيم التجمعات في الساحات العامة، يقصد أيضا الغاويات الضالات».
استهوته الفكرة، وأعلن «في قرارة نفسه انتماءه إلى حزب حسن البنّا»، وقال محدثا نفسه: «أكون الإمام الثاني.
أنشر الدعوة على غرار السلف الصالح… أبدأ التجربة من دار البغاء.
كل واحدة تتوب أجندها، ونضيفها في قائمة الإخوان».
وكانت البداية من أكبر مواخير المنطقة (ماخور العنابية)، ولكن، عند التجربة، تم الاستقطاب عليه، فما أن بدأ خطبته حتى تكالبت عليه عاهرات الماخور، وحملنه بإيعاز من العنابية التي أمرتهن: «إلى غرفتي.
إلى غرفتي.
سأريه جنته.
إلى غرفتي.
سيعرف رحمة ربه».
هذه النتيجة المعكوسة التي آل إليها جعلته يتساءل بريبة: «أيها الإمام، بم تقنع الضالات في المواخير؟ ماذا تقول لهن؟ ».
ثم ما فتئت رحلته الروحية هذه، أن انتهت بوقوعه في حب صاحبة الماخور (العنابية)، التي يقول عنها: «آه، يا شيخ البلاغة، لا يكفي هنا شاهدك، ليست بعيدة مهوى القرط فحسب، إنما القرط هنا، نقطة في بحر»، وهو الحب الذي دفعه إلى ارتكاب جريمة قتل منافسيه، وتم القبض عليه وزج به في أعتى سجون المنطقة؛ «سجن كيان».
ثم ما فتئ أن أفرج عنه بفضل تدخل العنابية، وعوض الرجوع إلى جامع الزيتونة، فضل ملازمة ماخور العنابية، ولأنه حج إلى «سجن كيان، استحق اسمه الجديد: «الحاج كيان».
كان «الحاج كيان» يقضي معظم أيام الأسبوع في الماخور، ويخصّ يومي السبت والأحد للخلوة في «خَقّ» يوجد في المقبرة، في هذا المكان، ووسط صمت الأموات، كان يغوص في تأملاته، هناك يقرأ هويّات تاريخية ويتقمصها، كاشفا من خلالها عن نقد يعري تمويه السلطة، ونفاق المثقف العربي، وفساد النخب، وزيف القيم الثورية والدينية.
لم يكن عبثا تماهي «الحاج كيان» مع شخصيات تاريخية، كما في قوله: «ترى من أكون اليوم؟ المتنبي؟ حمدان قرمط؟ زكرويه الدندان؟ المعتصم؟ المنتصر بالله؟ المعتز بالله؟ موسى بن بغا؟ وما يهم؟ »، فكل اسم يعتبر إشارة سياسية وأيديولوجية تُلقي ضوءا على الواقع الذي نعيشه، فالمعتصم الذي أقصى كبار العرب والفرس لصالح قوى جديدة، تلميح لواقع سياسي مشابه، يتميز بتشتت البنية السياسية، وتحول السلطة إلى لعبة في يد مجموعات نفوذ، كما يحيل إلى الاستبداد، وسقوط المؤسسات، وتحوّل المجد العسكري (فتح عمورية في عهده) إلى قناع يغطي فساد السلطة.
أما المنتصر بالله، فيُستدعى لإبراز أنّ السلطة الفاسدة لا تلد إلا سلطة أشد فسادا، ثم إن الاسم نفسه (المنتصر بالله) يحمل مفارقة؛ فهو «منتصر» من حيث اللقب، لكنه في الواقع لم ينتصر لا سياسيا، ولا أخلاقيا، وهنا يعمّق وطار السخرية من التناقض بين اللقب (المنتصر بالله) والواقع، ومن شرعية معلنة، لكنها زائفة.
أما الخليفة المعتز بالله، فالرواية تستدعيه لكونه رمزا لكل سلطة قائمة شكليا، لكنها منهارة فعليا.
ويأتي ذكر موسى بن بغا؛ أحد كبار القادة الأتراك في الدولة العباسية، ليشير إلى تلك القوى الحالية غير المرئية، لكنها تتحكم في القرار السياسي.
تُقدّم الرواية نموذجين من المثقفين، نجدهما على الأرجح في واقعنا: نموذج متضخم الأنا، متعالٍ، مثلت له بالمتنبي، ونموذج ركن إلى الصمت والعزلة، ومثلت له بشخصية «الحاج كيان».
بالنسبة للنموذج الأول، نستهله بقول «الحاج كيان» عن المتنبي: «المتنبي يقرر: أن الموت أعذر، وأن الصبر أجمل، وأن البر أوسع، وأن الدنيا لمن غلب.
لقد جعل النذل، الدنيا، مفهوما، للقوة والسيطرة وممارسة الحياة.
لقد كان هزيا، ولو أن عاهراته، كانت الملوك والأمراء، والسلاطين الواهين».
نفهم من هذا القول، أن المتنبي، يُستدعى لا بوصفه شاعرا مجيدا فقط، بل لكونه رمزا للمثقف، الذي عاش تناقضا بين تمرده الظاهري وتزلّفه إلى السلطة.
وهو إشارة إلى وجود «متنبيين» في زمننا الحاضر، يدّعون الحكمة والبطولة، بينما هم في الواقع يخدمون مصالح شخصية أو سلطوية، تماما كما المتنبي في قول «الحاج كيان» عنه: كان، خاوي النفس.
لم تكن عيناه تستقران في مكان واحد.
هو ذاك إذن ياخولة، لو لم يكن نذلا، لحافظ على قرمطيته».
أما بخصوص النموذج الثاني، وتمثله شخصية «الحاج كيان» فهو نموذج لتلك الفئة المتعلمة/المثقفة، التي تعرف الحقيقة، لكنها محبطة وعاجزة عن الفعل، تراقب فقط، وتدين في صمت، متخدة العزلة ملجأ كما فعل «الحاج كيان».
هكذا، يوجّه الطاهر وطار من خلال «الحاج كيان»، والاستدعاء الرمزي للمتنبي، نقدا لاذعا إلى الطبقة المثقفة، التي كان يُفترض أن تقود الوعي، فإذا بها تتورّط في التواطؤ، أو الصمت، وأصبحت بالتالي طبقة انتهازية، متسلقة، متعالية، فقدت رسالتها، وتحولت إلى شاهد زور، لصالح مجدها الشخصي، وانتهت إلى السقوط في خيانة الذات والواقع.
ابتذال القيم الدينية والثورية:كان أول ما تعرضت إليه الرواية لانتقاد ابتذال القيم الدينية، هو السلوك المريب لشيخ التجويد مع الطالب الزيتوني، كما يجليه هذا الشاهد: «أمسك شيخ التجويد بيده وقاده إلى سارية بزاوية مظلمة، وراح يعلمه القراءات السبع.
في حين ظل يحتفظ بيده، ويدلكها من حين لآخر.
حاول مرة أن ينزع يده من كف الشيخ، فنهره قائلا: «لا تقطع الصلة الروحية بيننا، ومنذ ذلك اليوم، تعود أن يترك يده، غير مبال بأصابع الشيخ التي تواصل حركة مريبة».
ولا يخفى ما يتضمنه من فضح وإدانة لانتهاك القيم الدينية، والأخلاقية، من لدن من يفترض فيهم صون هذه القيم، وتمثيلها في سلوكهم وطريقة عيشهم.
وفي السياق نفسه، نقف عند واقعة ذهاب «الحاج كيان» إلى ماخور العنابية ساعة كان طالبا بالزيتونة، قصد الدعوة إلى الله، لكنه عند المحاولة اصطدم بغضب العنابية، التي أمرت عاهرات الماخور أن يساعدنها في حمله إلى غرفتها وهي تأمر: «إلى غرفتي، إلى غرفتي، سأريه جنة ربه».
وهو محمول نحو الغرفة، أخد يردد آيات قرآنية ومنها: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
وإدراج هذه الآية، وفي موقف كهذا، لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها علامة رمزية تعبّر عن مفارقات المجتمع؛ فاستحضار الآية يعيد التساؤل: «من مات حقا؟ أهم الشهداء (الأحياء عند ربهم)؟ أم من يعيشون (هم الأموات الحقيقيون معنويا)؟ ثم إن الآية، استحضار الآية في موقف كهذا، يخلق صدمة جمالية مقصودة تفضي إلى الوعي بأن الشهداء لم يعودوا حاضرين كقيم، بل كخُطَب فقط.
وبالنسبة للآية الكريمة: «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم»، فالحاج كيان يعبر من خلالها عن براءته من الفعل المشين، الذي يُظنّ أنه يقترفه، رغم المظهر الذي يوحي بالعكس.
ومن خلال هذا التناص القرآني، يُدين وطار مجتمعا يُصلب فيه المصلحون رمزيا، وتُشوَّه فيه صورة الداعين إلى الحق بالافتراء والسخرية، فيغدون، كما الحاج كيان، شهداء القيم في زمن الانحطاط.
أما ترديده للآية: «يا نار كوني بردا وسلاما»، فهي من أكثر اللحظات رمزية وتناصا قرآنيا في الرواية؛ فالعنّابية وماخورها يمثلان «نار الفتنة والفساد»، والحاج كيان (الرجل المؤمن) يجد نفسه ملقى فيها قسرا، وفي هذا دلالة على صراع المصلح الصادق، مع واقع فاسد يحاصره بالإثم.
وفي الموقف نفسه، جاء الحاج كيان على ذكر قطام، التي أغرت/ أغوت ابن ملجم بقتل علي بن أبي طالب.
واستحضار الحاج كيان، لهذا الحدث التاريخي في لحظة إذلاله، يضع نفسه مقابل عليّ، الذي اغتيل غدرا على يد الفتنة، إشارة إلى أن الفتنة قدَر متكرّر في كل زمان ومكان.
وللتدليل على ابتذال القيم الثورية، استدعت الرواية حركة القرامطة، وهو استدعاء محمّل بدلالات سياسية وتاريخية ورمزية عميقة، تخدم الخطاب النقدي، الذي تبنّته الرواية؛ فالقرامطة كحركة باطنية ثورية، نشأت في القرن الثالث الهجري، ورفعت شعار العدالة الاجتماعية، وناهضت السلطة العباسية، لكن رغم طابعها «التحرري» الظاهر، انتهى أمرها إلى عنف دموي وفوضى عارمة، واتهامات بالخروج عن الدين، وهو تلميح إلى أن بعض «الثوار الجدد» يشبهون القرامطة في ادعاء النضال، لكنهم يقودون المجتمع إلى الفوضى أو القمع، وفي هذا تصوير لواقعنا المعاصر.
القرامطة، هنا، ليسوا مجرد فرقة تاريخية، بل رمز لكل انحراف أيديولوجي، يبدأ بشعار التحرير، وينتهي بالقمع، والتطرف الفكري، والعنف الذي قد يتحول إلى غاية بحد ذاته.
نستنتج مع وطار أنّ التاريخ لا يمضي فعلا، بل يدور في حلقةٍ مغلقة، فـ»الدور يعاد بأشكال مختلفة»، على حد تعبير الحاج كيان.
إن الماضي لا يُستعاد هنا كتاريخ، بل يُستحضر كوعيٍ مأزومٍ يعيش داخل الحاضر، وعندما يتساءل الحاج كيان بما يفيد الإثبات والاستنكار: «أيها التاريخّ، ألست سوى ما يكتبه الأعداء المنتصرون عن الخصوم المنهزمين؟ »، فهو يقر بأن التاريخ ليس هو المجد فقط، بل هو أيضا بداية الزيف الجديد، وأنّ أزمة الإنسان العربي، في جوهرها، هي أزمة وعيٍ تاريخي، لم يبرح مكانه منذ قرون، لهذا وذاك، وجد الحاج كيان في ماخور العنّابية ملاذا من زيف المجتمع، هو الذي يقول مخاطبا الوهرانية عندما اقترحت عليه الخروج من الماخور: «يا بنت الناس، إذا كان النبع واحدا، فلم الجري وراء طعم مغاير للماء.
أنت تاجرة، هنا أو هناك، وأنا هامشي هنا أو هناك».
من هذا المنطلق، لم ير الحاج كيان في العنّابية مجرد امرأة ساقطة أخلاقيا، بل الشخصية الأكثر صدقا ووضوحا، مقارنة برجال السلطة والدين في الرواية، حيث يقول: «العنابية صادقة فيما تفعل، إنها تبيع الخبز أو الحشيش أو الجنس الأمر سيان».
لم تكن إذن، ملازمة الحاج كيان الماخور، وعدم الرجوع لمتابعة دروسه في جامع الزيتونة، سلوكا عابرا، بل موقفا عبّر عن تحوّل في رؤيته للعالم وللإنسان، بعد أن أدرك أن الفساد الحقيقي ليس في الماخور، ليقلب الطاهر وطار المعاني رأسا على عقب؛ فالماخور الذي كان رمزا للفساد، سيتحول، في النهاية، إلى رمز للصدق، لأن من فيه لا يدّعون الفضيلة، أما العالم الخارجي، فهو ماخور أكبر، يخفي رذيلته تحت قناع الدين والسياسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك