في الثالث من ديسمبر 2025، كان هنري نواك، وهو طالب جامعي بريطاني يبلغ من العمر 18 سنة، في طريق عودته لمنزله بمدينة" ساوثهامبتون"، حين طعنه فيكروم ديغوا، البالغ من العمر 23 سنة، والمنتمي إلى الديانة السيخية، خمس طعنات، وحين وصلت الشرطة إلى مكان الحادثة، ادعى ديغوا أنه هو الضحية، وأن نواك تعرض له بهجوم عنصري.
عبر كاميرات مثبتة على صدر عناصر الشرطة، ظهر نواك متوسلاً، ويقول إنه" لا يستطيع التنفس"، يردد أنه" طعن"، لكن الضباط لا يكترثون وقيدوا يديه بينما كان يحتضر، مصدقين ادعاء ديغوا بأنه الضحية، حتى أن أحد الضباط قال له: " تعتقد أنك طعنت؟ أين؟ لا أظن ذلك يا صديقي"، والنتيجة كان موت نواك في مكان الحادثة.
في شهر يونيو (حزيران) 2026 صدر حكم بإدانة ديغوا بتهمة القتل العمد ومعاقبته بالسجن المؤبد مع الحد الأدنى 21 سنة، بعدما ثبت للمحكمة أن ديغوا كذب حين ادعى تعرضه لهجوم عنصري، ومنذ إعلان الحكم قبل أيام تفجر غضب شعبي ترجم إعلامياً وسياسياً، وتجسد في خروج مئات إلى الشوارع أمام مقر شرطة" ساوثهامبتون"، حتى تحولت الاحتجاجات إلى مواجهات مع قوات مكافحة الشغب، ووقعت إصابات واعتقالات.
طالب النائب نايجل فاراج، زعيم حزب" ريفورم"، برد الفعل الشعبي الغاضب ذاك، ودعا تحت قبة البرلمان البريطاني إلى إنهاء ما وصفه بـ" العنصرية ضد البيض"، مؤكداً أن قضية هنري دليل واضح على" ازدواجية معايير الشرطة" في التعامل مع الأعراق المختلفة، كما انضم تومي روبنسون، الناشط اليميني المتطرف، إلى الاحتجاجات في ساوثهامبتون، وأعاد على الجموع أسطوانة فاراج ذاتها في" التحيز ضد البيض".
قال رئيس الوزراء كير ستارمر إنه صدم بمشاهدة الفيديو، وهناك أسئلة جدية باتت تستوجب الإجابة حول كيفية تأثير" اتهامات العنصرية على قرارات الشرطة"، لكنه انتقد فاراج، قائلاً إن" عائلة نواك طالبت تحديداً بألا يستغل مقتل ابنها لتأجيج الانقسام، بينما استغل زعيم حزب ريفورم المأساة لتغذية الغضب السياسي بدلاً من السعي إلى الإصلاح".
ناشد والد هنري، مارك نواك، المجتمع البريطاني بألا يوظف مقتل ابنه لإذكاء الكراهية، داعياً إلى أن يفضي هذا الموت إلى شوارع أكثر أماناً، لا إلى مزيد من" الانقسام والبغضاء والتوتر"، لكن ذلك لم يمنع تفجر نقاش واسع في البلاد في شأن ادعاءات وجود عنصرية موجهة ضد البيض، وهل بات هناك فعلاً عصاب يسيطر على الشرطة اسمه الاتهام بالعنصرية عند التعامل مع قضايا يكون أحد أطرافها من الأقليات؟لفهم السياق التاريخي لهذه القضية، ربما نحتاج إلى العودة لقضية ستيفن لورنس عام 1993، الشاب الأسود البريطاني الذي قتل طعناً في هجوم عنصري جنوب العاصمة لندن، وأخفقت الشرطة في التحقيق بمقتله، وفي أعقاب تلك الجريمة، صد تقرير ماكفيرسون في عام 1999 ليدين الشرطة الإدارية بوصفها" عنصرية مؤسسياً"، ووضع 70 توصية لإصلاح المنظومة الأمنية وإعادة بناء الثقة بينها وبين المجتمعات التي تخدمها.
بعد أكثر من ربع قرن، خلصت مراجعة لورد كيسي عام 2023 إلى أن شرطة العاصمة لا تزال" عنصرية مؤسسياً ومتحيزة ضد المرأة والمثليين"، فيما تقول تقارير مختصة إن السود أكثر عرضة بسبعة أضعاف من البيض للوفاة خلال الاعتقال، كما تثبت إحصاءات أن السود والآسيويين أكثر عرضة للتوقيف والتفتيش والاعتقال والسجن مقارنة بالبيض، وهذه الوقائع تدحض الرواية القائلة إن الشرطة تميز ضد البيض بصورة ممنهجة.
على رغم ذلك ثمة توتر داخلي داخل المؤسسة الأمنية البريطانية، فالضباط بعد تقرير ماكفيرسون باتوا يخشون اتهامهم بالعنصرية، مما يدفع بعضهم إلى الإحجام عن اتخاذ إجراءات صارمة تجاه أشخاص من الأقليات أياً كانت الجريمة المرتكبة، ويرى المنتقدون أن التعليمات الصادرة عن" المجلس الوطني لرؤساء الشرطة" في هذا الشأن، التي تلزم الضباط بمعاملة اتهامات العنصرية بجدية بالغة، ومن يقصر في ذلك يتعرض هو نفسه إلى اتهام بالتحيز، خلقت نهجاً إشكالياً في عمل الشرطة تجلى بوضوح في قضية هنري.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تشتعل فيها بريطانيا جراء حادثة طعن، ففي صيف 2024 أشعل هجوم راح ضحيته 3 فتيات في ساوثبورت موجة من أعمال الشغب امتدت أسبوعاً كاملاً، بعد أن روجت منصات التواصل خطأ إلى أن المنفذ كان طالب لجوء مسلم.
بعد ذلك الشغب، أكد تقرير برلماني للجنة الشؤون الداخلية أنه" لم يعثر على دليل يثبت ازدواجية الشرطة" في تعاملها مع الاضطرابات، والقوة التي استخدمت بحق المحتجين ليس بسبب آرائهم السياسية، بل نتيجة ارتكابهم أعمال عنف وإضرام النار وإلقاء الحجارة على الشرطة.
إذا كانت قضية هنري نواك قد كشفت عن خلل لحظي في رد فعل الشرطة الميدانية إزاء اتهام بالعنصرية، فإن فضيحة عصابات الاستغلال الجنسي للقاصرات تكشف عن شيء أكثر إثارة للقلق، هو أن الخلل لم يكن رد فعل آني، بل كان سياسة ممنهجة امتدت لعقدين، راح ضحيته آلاف الأطفال على مدى نحو عقدين من الزمان.
خلص تقرير البروفيسورة أليكسيس جاي عام 2014 إلى أن أكثر من 1400 طفل تعرضوا للاستغلال الجنسي في مدينة روثرهام وحدها بين 1997 و2013، على يد عصابات يغلب عليها الانتماء إلى الجالية الباكستانية، ولفت التقرير إلى أن المسؤولين في الشرطة والمجلس البلدي غضوا الطرف عمداً عن هذه الجرائم خشية أن يوصموا بالعنصرية.
معظم ضحايا تلك العصابات كن فتيات من البيض في سن الـ11 من أعمارهن أو أكثر، يغتصبن، ويتاجر بهن بين مدن شمال إنجلترا، ويختطفن ويضربن ويهددن، وقد أثبت تقرير جاي أن عدداً من موظفي الخدمات الاجتماعية كانوا يخشون تصنيفهم كعنصريين إذا حددوا جنسية الجناة، فيما أبلغ بعضهم من مديريهم صراحة بعدم الإشارة إليها، إذ اعتقد أعضاء من المجلس البلدي أن إثارة البعد العرقي سيفجر العنصرية ويهدد التماسك المجتمعي.
وثق تقرير جاي أدلة على أن أحد كبار ضباط الشرطة أقر لوالد ضحية بتجميد التحقيق في الاعتداء عليها، قائلاً إنه بما" أن المتورطين آسيويون، فلا نستطيع تحمل الكشف عن هذا، وإلا ستنفجر المدينة"، والطامة الكبرى هي أن روثرهام لم تكن استثناء، وقد كشفت التحقيقات عن جرائم مشابهة في روشديل وتيلفورد وأكسفورد وهدرسفيلد وبرادفورد وغيرها، والصمت الرسمي يتكرر بالحجة ذاتها: الحفاظ على التماسك المجتمعي وتجنب الاتهام بالتحيز العرقي.
بعد عقد من روثرهام، جاء تقرير البارونة لويز كيسي في يونيو (حزيران) 2025 ليرسخ ما وصف كثيراً بأنه نظرية مؤامرة، فخلص التقرير إلى أن الشرطة والمسؤولين فشلوا في التحقيق بالاستغلال الجنسي للأطفال" خشية أن ينظر إليهم على أنهم عنصريون"، وكتبت كيسي أنه" كان ثمة إنكار شديد، ولوم للضحايا، وغياب للمشاركة الثقافية والمجتمعية اللازمة لمواجهة المواقف والسلوكيات الضارة.
"في المقابل، أشار تقرير كيسي إلى أن البيانات المتاحة تثبت فعلاً" تمثيلاً مفرطاً" للرجال من أصول آسيوية وباكستانية في بعض التحقيقات المحلية، لكنه ينبه في الوقت ذاته إلى أن ثلثي الحالات لم يسجل فيها عرق الجاني، مما يجعل التعميم أمراً غير مدعوم بالأدلة الكافية، كما أن الضحايا لم يكن جميعهن من البيض، ثمة فتيات آسيويات تعرضن للأمر ذاته، وأعدادهن كانت تقلل في التقارير بسبب" خجل" عائلات الضحايا.
وصفت كيسي النظام بأنه" أخفق بصورة متكررة" في الإقرار بأن الجناة كانوا في نسبة غير متناسبة من الخلفيات الآسيوية والباكستانية، وكانوا يستهدفون الفتيات البيضاء، بينما تتجنب المؤسسات الرسمية الموضوع برمته" خشية تهم العنصرية، أو إثارة التوترات المجتمعية"، وهذا المنطق بالضبط هو ما يصفه كثيرون بأنه جوهر ما جرى في قضية نواك: لم يكن قرار تكبيل الشاب المحتضر حكماً مهنياً، بل انعكاساً لثقافة مؤسسية تضع اتهام العنصرية فوق كل اعتبار آخر، بما في ذلك حماية الأرواح.
تتقاطع قضية هنري نواك وفضيحة عصابات الاستغلال في نقطة واحدة جوهرية: في كلتا الحالتين، أدت الخشية المؤسسية من تهمة العنصرية إلى تجاهل الضحية وتصديق المعتدي، لكن هذا لا يعني أن الشرطة تمارس عنصرية ممنهجة ضد البيض، وإنما يدلل بوضوح على أن آليات مكافحة التحيز العرقي، قد تنتج بدورها ظلماً مختلفاً لا يقل فداحة، حين تتحول إلى ذعر مؤسسي بدلاً من حكمة مهنية.
حكومة لندن تنبهت إلى ذلك بعد مقتل هنري، وقررت إعادة النظر في التعليمات الخاصة بتعامل الشرطة مع القضايا ذات الطابع العنصري، ولكن معركة الحكومة مع استغلال مثل تلك القضايا عبر اليمين الشعبوي، ليست سهلة وخاصة مع دعم مالك منصة" إكس" إيلون ماسك، للشخصيات التي تمثل هذا التيار، والروايات التي تصدر عنهم، فيحرض بذلك على الانقسام في المجتمع البريطاني، كما يقول ستارمر.
عبر منصة" إكس" ذاتها، نشرت زعيمة المعارضة كيمي بادينوك، أنها" التقت بوالدة نواك ووالده، وطلبوا منها عملاً موحداً للأحزاب، بغض النظر عن الانتماءات السياسية أو الدينية، لإعادة بناء الثقة في الشرطة"، وهذا يقتضي برأيها إعادة النظر في الممارسات الدينية أو الاستثناءات التي تسمح بحمل أسلحة خطرة في الأماكن العامة، وغيرها من الأنشطة التي لا تخدم الصالح العام، إضافة إلى تعديل تعليمات التعامل مع القضايا ذات الطابع العنصري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك