في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تتصاعد الدعوات داخل الأوساط السياسية العربية لإعادة صياغة منظومة الأمن القومي العربي على أسس أكثر استقلالية وتكاملًا، بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على القوى الخارجية.
وفي هذا الصدد، أكد الدكتور عبد المنعم سعيد الخبير الاستراتيجي أن القواعد الأمريكية المنتشرة في بعض الدول العربية أنشئت في الأساس كمراكز لوجستية عقب غزو العراق للكويت وليس في إطار معاهدة دفاع مشترك ملزمة قانونا، مشيرا إلى أن التصريحات الصادرة عن قيادات أمريكية بشأن توفير الحماية لا ترقى إلى مستوى الالتزام القانوني الذي يميز تحالفات مثل حلف شمال الأطلسي، حيث يعد أي اعتداء على دولة عضو بمثابة اعتداء على جميع الأعضاء.
ودعا سعيد الدول العربية المستقرة خاصة تلك التي تمتلك مشروعات تنموية وطنية كبرى، إلى تأسيس تحالف دفاعي عربي مستقل يشبه في بنيته ناتو عربي بما يمكن هذه الدول من تأمين أراضيها بشكل ذاتي، بعيدًا عن الاعتماد على القوى الخارجية.
وأكد الخبير الاستراتيجي أن هذا التوجه من شأنه أن يتيح للدول العربية التركيز على تعزيز النمو التكنولوجي والاقتصادي، مع توفير مظلة أمنية قائمة على التعاون الإقليمي، بما يحقق قدرًا أكبر من الاستقرار والسيادة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
ومن جانبه أوضح المستشار بهاء أبو شقة رئيس حزب الوفد الأسبق، أبعاد الاعتماد على القوى الأجنبية في تحقيق الأمن القومي، لافتًا إلى أن السيادة الحقيقية لأي دولة لا يمكن أن تبنى على الارتكان إلى الخارج بل تعتمد بالأساس على قوة الداخل سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية.
وأوضح أبو شقة أن مفهوم القوة الوطنية يرتكز على امتلاك الدولة لمواردها الذاتية وقدرتها على إدارة شؤونها باستقلالية، مشيرًا إلى أن التحالفات العسكرية والتعاون الدولي تظل أمرًا طبيعيًّا في إطار العلاقات الدولية لكنها يجب أن تقوم على مبدأ تبادل المصالح.
وشدد على ضرورة التفرقة بين وجود قواعد عسكرية أجنبية في بعض الدول كجزء من ترتيبات استراتيجية ومصالح متبادلة، وبين تبني سياسة وطنية قائمة على الاستقلال ورفض الاعتماد المطلق على تلك القوى، مؤكدًا أن الحفاظ على القرار الوطني المستقل يمثل حجر الأساس في بناء دولة قوية.
وأضاف أن السياسة الدولية تحكمها المصالح المشتركة، وأن تحقيق الأمن والاستقرار يتطلب توازنًا دقيقًا بين تعزيز القدرات الذاتية والانخراط في شراكات قائمة على المنفعة المتبادلة، بما يخدم في النهاية المصلحة الوطنية العليا.
وكشف المهندس محمد سامي الرئيس الشرفي لحزب الكرامة، المخاطر الاستراتيجية للاعتماد على الولايات المتحدة كضامن رئيسي للأمن في المنطقة، لافتًا إلى أن بعض الأنظمة في الخليج لا تزال تعتبر واشنطن حليفًا لا غنى عنه لبقائها، في حين يتبنى قطاع واسع من الرأي العام المصري رؤية مغايرة، لذلك تصف الولايات المتحدة بأنها قوة منحازة للمصالح الإسرائيلية في المنطقة.
وأشار سامي إلى أن البحث عن مظلة أمنية لدى قوى إقليمية أخرى، مثل تركيا أو باكستان، لا يمثل حلًّا مستدامًا، مؤكدًا ضرورة التوجه نحو إقامة معاهدة دفاع عربي مشترك تقوم على أسس من الاستقلالية والتكامل العسكري.
وأوضح سامي أن هذا التصور يرتكز على تعزيز التعاون العسكري بين الدول العربية، وفي مقدمتها مصر والمملكة العربية السعودية، بما يضمن تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الإقليمي بعيدًا عن تقلبات التحالفات الدولية.
وأشار إلى أن تحقيق الأمن الحقيقي لن يتحقق إلا من خلال الاعتماد على القدرات الذاتية العربية، بدلًا من الارتهان لشراكات خارجية قد لا تضمن حماية المصالح العربية على المدى الطويل.
وحول ضرورة إنشاء تحالف عسكري عربي موحد لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة، أكد سامي على أهمية تشكيل تكتل دفاعي على غرار حلف الناتو الأوروبي.
وأشار الرئيس الشرفي لحزب الكرامة إلى أن الاعتماد على الحماية الغربية لم يعد خيارًا آمنًا، في ظل انحياز الولايات المتحدة الأمريكية الدائم لصالح إسرائيل، مؤكدا أن دول الخليج مطالبة بإعادة تقييم سياساتها الخارجية والحد من الاعتماد على القوى الدولية مقابل التوجه نحو بناء شراكة استراتيجية أقوى مع مصر باعتبارها بيئة أكثر استقرارًا وأمانصا لحماية الاستثمارات الاقتصادية الضخمة في المنطقة.
كما أوضح حول حالة من التشكيك الشعبي العميق تجاه السياسات الأمريكي، لافتا إلى أن التحالفات الخارجية غالبًا ما تترك الدول العربية عرضة للمخاطر والتقلبات، مشددا على أن الاعتماد على الذات والعمل العربي المشترك يمثلان الخيار الواقعي الوحيد لحماية المصالح السيادية للدول العربية في مواجهة التحديات والتهديدات الخارجية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك