حذرت هيئة مهنية في المغرب من خطورة فتح رأسمال الصيدليات، معتبرة أنه سيؤدي إلى تحويلها إلى نموذج ربحي صرف، وإفلاس آلاف منها، وفقدان أكثر من 40 ألف وظيفة في القطاع، فضلاً عن تهديد الأمن الدوائي الوطني.
وجاء ذلك في مذكرة وجهتها كونفيدرالية نقابات صيادلة المغرب إلى رئيس مجلس المنافسة ( حكومي)، اليوم الخميس، وتضمنت اعتراضاً رسمياً على التوصية التي أصدرها في وقت سابق بفتح رأسمال الصيدليات أمام المستثمرين، من جراء" تهديدها التوازنات المهنية والوظيفة الصحية للصيدلية"، و" عدم الاستجابة للإشكالات الحقيقية التي يعرفها القطاع" وتأثيرها" على العدالة الصحية والأمن الدوائي".
واستدلت الكونفيدرالية في اعتراضها على فتح رأسمال الصيدليات بتجارب دولية، من قبيل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا، التي شهدت إغلاق آلاف الصيدليات المستقلة بعد اعتماد سلاسل تجارية، وهو ما انعكس سلباً على التغطية الصحية، معتبرة أن إعادة هيكلة نموذج الصيدليات المغربية، وخاصة ما يرتبط بمقترح فتح رأسمالها أمام المستثمرين، يهدد التوازنات المهنية والوظيفة الصحية للصيدلية، ولا يستجيب للإشكالات الحقيقية التي يعرفها القطاع ويؤثر على العدالة الصحية والأمن الدوائي.
وفيما اعتبرت الكونفيدرالية أن إدخال فاعلين استثماريين بدعوى تحسين الخدمات لا يستند إلى مبررات واقعية، كان لافتاً تحذيرها من التوجه نحو تقليص عدد الصيدليات عبر تركيز السوق، وهو ما من شأنه الإضرار بالتوزيع المجالي وتهديد صيدليات القرب.
وكان مجلس المنافسة قد أوصى بالفتح المؤطر والتدريجي للاحتكار القائم على مستوى امتلاك الصيدليات بالمغرب، وتمكين المستثمرين الخواص من المساهمة في رأسمال الصيدليات، والسماح بإحداث شبكات أو سلاسل صيدلية في إطار منظم مقترن بقواعد صارمة تضمن الاستقلالية المهنية للصيدلي.
واعتبر المجلس، ضمن الخلاصات والتوصيات التي أصدرها في إطار رأي حول وضعية المنافسة بسوق توزيع الأدوية في المغرب، أن الفتح المؤطر لاحتكار ملكية الصيدليات بشكل تدريجي وتحت شروط قانونية وتنظيمية واضحة سيسهل إحداث صيدليات جديدة ويدعم تحديث وهيكلة الشبكة الصيدلية الحالية ويصون البعد الصحي لمهام الصيدلي.
كذلك أورد المجلس، في رأيه الذي أصدره في مارس/آذار الماضي، أنه على الرغم من عدم وجود معطيات رسمية حول العدد الدقيق لإغلاق الصيدليات في المغرب، فإن مهنيين في القطاع يصرحون بأن نحو أربعة آلاف صيدلية توجد على حافة الإفلاس بسبب صعوبات اقتصادية ومالية، مورداً أن النموذج الاقتصادي للتوزيع بالجملة للأدوية في المغرب يعيش" وضعية هشاشة"، على الرغم من ارتفاع رقم معاملات موزعي الأدوية بالجملة بشكل مستمر بين 2016 و2024.
وقال الكاتب العام لكونفيدرالية نقابات صيادلة المغرب أمين بوزوبع، في حديث لـ" العربي الجديد"، إن توصية مجلس المنافسة تشكل" خطورة كبيرة على صحة المواطن بالنظر إلى كونها تروم استبدال الصيدلي الذي هو مهني صحة ملم بالجوانب العلمية وبالأبعاد الاجتماعية التي يشتغل فيها، ويقدم خدمات للقرب ويسهر على صحة المواطنين، بمستثمر تكون منطلقاته ربحية ولا تهمه صحة المريض".
واعتبر بوزوبع أن توصية فتح رأسمال الصيدليات أمام المستثمرين من شأنها أن تقلب القطاع رأسا على عقب، علماً أنه من القطاعات الأكثر تنظيماً وانتشاراً، مضيفاً: " في ظل غياب إشكاليات خدماتية وقيمة مضافة، يمكن القول إن التوصية تروم منح القطاع مجاناً للمستثمرين، وإن هناك تفكيراً في مصلحتهم أكثر من التفكير في مصلحة المريض".
وأوضح أن الحديث عن فتح رأسمال الصيدليات أمام المستثمرين يوحي بوجود خصاص في عددها، بينما الواقع عكس ذلك، لافتاً إلى أن المنظومة الدوائية الوطنية لا تحتاج إلى أي مستثمر جديد في ظل الاكتفاء الذاتي، إذ يتوفر المغرب على نحو 14 ألف صيدلية تغطي مختلف جهات المملكة، مع فائض يناهز أربعة آلاف صيدلية، ما يجعل الدواء يصل إلى أبعد النقاط والمناطق.
وشدد بوزوبع على أن الإشكالات المطروحة اليوم لا تتطلب تغيير هيكلية الصيدليات، بل تطوير النموذج الخدماتي المقدم للمواطنين، على منوال تجارب دول أجنبية أصبحت فيها الصيدليات تقدم خدمات إضافية، من قبيل التلقيح للكبار والأطفال، والتكفل بمرضى الأمراض المزمنة ومتابعة حالاتهم، إضافة إلى الاستشارات الطبية عن بعد داخل فضاء الصيدلية، بحضور الصيدلي وباستخدام الرقمنة.
واعتبر أن هذا المسار هو الذي يحتاجه المغرب لتطوير الصحة العامة، بدل فتح الباب أمام سلاسل استثمارية قد تؤدي إلى احتكار الدواء وتهديد الأمن الدوائي والصحي للبلاد.
وأوضح أن اعتراض الكونفيدرالية على التوصية يستند إلى الدستور المغربي في الفصل 31 المتعلق بالحق في العلاج، والفصل 35 المرتبط بحرية الاستثمار في إطار المصلحة العامة، والفصل 154 الذي ينص على استمرارية المرفق العمومي، معتبراً أن أي مساس بهذا النموذج من شأنه التأثير على العدالة الصحية والأمن الدوائي.
وبينما أبدت الكونفيدرالية اعتراضها الرسمي على توصيات فتح رأسمال الصيدليات في المذكرة التي وجهتها إلى مجلس المنافسة، اعتبرت الهيئة المهنية أن ضعف بعض الصيدليات لا يرتبط بطبيعة النموذج القائم، بل باختلالات تنظيمية تتحمل فيها السلطات المعنية جزءاً من المسؤولية، مشيرة إلى أن الحديث عن عدم قدرة الصيدليات على توفير الأدوية مرتفعة الثمن غير دقيق، في ظل وجود احتكار لهذه الأدوية من طرف جهات محددة.
وبحسب الهيئة المهنية، فإن الإصلاح الحقيقي للقطاع يمر عبر تفعيل القوانين الحالية وتنزيل الإصلاحات المتفق عليها، مع تجديد التزامها بالانخراط المسؤول في أي إصلاح جاد قائم على التشاور والمقاربة التشاركية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك