الثورة التقنية نقلت العالم إلى حياة جديدة ينعم بها الإنسان؛ بفضل استخدام التقنية الحديثة في كل مسارات الحياة العامة والخاصة.
ومن دون شك، تداخلت عوامل كثيرة في جعل التقنية مصدر مفيد للبشرية.
وفي مقدمة هذه العوامل، نجد الدور الذي لعبه القانون في جعل التقنية مفيدة، وذلك بمنحها الصفة والصبغة القانونية عبر “لجنة الاونسيترال” التي كونتها الأمم المتحدة للنظر في كيفية “شرعنة” التقنية ونقلها من مجرد برامج تقنية شكلية ورمزية إلى أسلوب حياة جديدة بفضل مخرجات التقنية.
ومن ضمن أعمال “لجنة الاونسيترال”، نجد المسودة المهمة بشأن “القانون النموذجي للمعاملات الإلكترونية”.
وهذا القانون، إذا جاز لنا أن نقول، يعد ثورة تشريعية مماثلة للثورة التقنية؛ لأنه وضع أسسا قانونية جديدة للتعامل بالتقنية في المعاملات اليومية العادية.
وهذا وفق نظرية “المعاملة المثلية” التي تضمنها القانون النموذجي وتنص على معاملة المخرجات الإلكترونية غير الأصلية مثل معاملة الورق العادي الأصلي وأيضا معاملة التوقيع الإلكتروني الإجرائي نفس معاملة التوقيع اليدوي باليد.
وهذا التعامل المثلي جعل بل وضع المعاملات الإلكترونية في نفس خانة المعاملات العادية التقليدية، وهنا ظهرت الثورة التشريعية لشرعنة التقنية والمعاملات الإلكترونية التقنية.
وبفضل العلماء في التقنية، تطورت التقنية ووصلت الآفاق وكل يوم في مسار جديد ومخرجات جديدة، حتى وصلنا إلى مرحلة الذكاء الاصطناعي ونأمل أن يستفيد العالم من التطور في الذكار الاصطناعي في المجالات المفيدة للبشرية.
وفي خضم التطورات المتسارعة في مسار التقنية، نجد تكنولوجيا البلوكشين وهي تكنولوجيا ذات سجلات رقمية لامركزية موزعة، وتعمل كدفتر أستاذ آمن وشفاف لتسجيل المعاملات عبر شبكة من الحواسيب.
ومن أبرز خصائص وتقنيات البلوكشين، نجد اللامركزية حيث لا توجد سلطة مركزية تتحكم بالبيانات، بل يتم توزيعها على شبكة متصلة من سلسلة العقد.
ونجد الأمان والشفافية، حيث إن كل كتلة بيانات ترتبط بالتي تليها عبر التشفير، ما يجعل تزوير البيانات أمرا شبه مستحيل.
ونجد في هذه التقنية أيضا، عدم القابلية للتعديل لأنه وبمجرد تسجيل المعاملة في البلوكشين فلا يمكن مسحها أو تغييرها.
وكل هذه الخصائص التقنية تستمد أساسها من الاعتراف القانوني الواضح بالعمليات التقنية ومنحها الصفة القانونية التي تستمد منها الشرعية في التعامل.
ومن أبرز الاستخدامات لتكنولوجيا البلوكشين، والتي تتم وفق المعايير القانونية، نجد في المقدمة القطاع المالي والمصرفي، إذ يتم الاستخدام المكثف في العملات الرقمية، وكذلك في التحويلات الفورية اللا تلامسية والتسويات المالية.
وهذا النشاط الحديث في العملات الرقمية آخذ في الانتشار وكما نعلم تم تقنينه والاعتراف به في العديد من الدول، بالرغم من بعض المخاوف المرتبطة بسوء الاستخدام من جهات غير قانونية وتحاول أن تتجنب القانون.
وكذلك يتم الاستخدام لهذه التكنولوجيا في سلاسل الإمداد والتوريد، حيث يتم تتبع المنتجات لضمان الأصالة والشفافية.
وأيضا الاستخدام في الرعاية الصحية حيث تتم مشاركة بيانات المرضى بشكل آمن وفق المقتضيات القانونية وبما يحفظ الحقوق القانونية.
ومن المفيد أن نذكر أن الأسم التقني “بلوكشين” جاء لأن هذه التكنولوجيا تعتمد على “الكتل” التي تحتوي على قائمة من السجلات، ويتم ربط هذه السجلات ببعضها في “سلسلة” (Chain) باستخدام التشفير وهو أحد الوسائل التقنية لاستخدام التقنية ومخرجاتها في أمان تام لا يمكن وليس من السهولة اختراقه.
ومن هذه الصفات المميزة والخاصة تأخذ تكنولوجيا البلوكشين مكانتها في تطوير مسار التقنية بأمان وشفافية ووفق الأطر القانونية.
وفي دول الخليج، يعد القطاع المالي أكثر وأسرع القطاعات تأثرا بالبلوكشين وغيرها من التكنولوجيا المالية وأعمال “الفنتك” التي أحدثت تحولات جذرية في النشاطات المالية والاستثمارية في المنطقة وربطها بالعالم.
وهكذا تتطور مخرجات التقنية لتحقيق أقصى الفوائد، وبفضل التطور القانوني والتشريعي أخذت تكنولوجيا البلوكشين وأخواتها الصبغة القانونية لتدخل من باب القانون لفائدة المجتمع بكل أطيافه والباب مفتوح لمزيد من الإنجازات البشرية المثمرة لحياة أفضل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك