أول أمس، بعد أقل من 24 ساعة على فرض وقف إطلاق النار على الطرفين في لبنان، اتخذ ترامب خطوة أخرى متطرفة وغير مسبوقة تقريباً؛ فقد أعلن عن منعه إسرائيل مواصلة القصف في لبنان.
وغرد ترامب على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي في شبكته: “الولايات المتحدة تمنع إسرائيل من فعل ذلك، كفى.
شكراً لكم”.
قبل عشرة أيام، رفض ترامب طلباً إيرانياً، ربط وقف إطلاق النار في الخليج ولبنان بشكل مباشر، ولم يمنع الجيش من مواصلة القتال في الشمال.
ولكنه الآن أوقف، ربما بشكل مؤقت، الحرب في لبنان عقب الحرب في إيران.
وفي الحالتين، سارع إلى إنهاء الحروب، ورفع بذلك عدد الحروب التي أنهاها إلى 10 (مع أن هذه القائمة في بعض الأحيان -حسب قوله- تشمل نزاعاً له ظروف غامضة بين كمبوديا وأرمينيا).
يمكن إيجاد قاسم مشترك هنا مع سلوك الرئيس الأمريكي مع قطاع غزة في السنة الماضية؛ في صيف 2025 خضع ترامب لضغوط نتنياهو وسمح له بتوسيع العملية البرية في قطاع غزة.
ولكن عندما تبين لترامب عجز نتنياهو عن الوفاء بوعوده والقضاء التام على حماس، استغل الفرصة – الهجوم الفاشل على قيادة حماس في قطر في أيلول الماضي – وأمر إسرائيل بإنهاء القضية.
قال أحد المتحدثين بأن الإنجاز العسكري الذي تحقق في الأسابيع الستة الأخيرة يمهد الطريق الآن لخطوة سياسية تهدف إلى صياغة اتفاق يضمن واقعاً أفضل على طول الحدودكانت النتيجة بعد شهر، صفقة الرهائن الثالثة التي شملت انسحاباً جزئياً للجيش الإسرائيلي ووقف إطلاق النار، الذي تم الحفاظ عليه جزئياً منذ ذلك الحين.
يحاول ترامب الآن اتباع النهج نفسه في إيران ولبنان؛ ففي إيران أقنعه نتنياهو بوضع هدف تغيير النظام كجزء من أهداف الحملة الحالية.
وعندما اتضحت صعوبة تحقيق هذا الهدف، ظهر أن ترامب بدأ يبحث عن مخرج.
أما لبنان فلم تكن حربه بالأساس.
فقد صعدتها إسرائيل بعد أن أطلق حزب الله عدة صواريخ في بداية آذار انتقاماً على قتل خامنئي.
والآن، يحاول الرئيس منع نتنياهو قبل توسيع الصراع مع حزب الله.
هذا الترتيب هش جداً؛ فهو يحمل في طياته بعداً تاريخياً، يتمثل برغبة في إجراء محادثات مباشرة بين الحكومة الإسرائيلية والحكومة اللبنانية (الأمر الذي يأمل ترامب تحقيقه خلال قمة الزعماء)، لكن تفاصيل كثيرة ما زالت طي الكتمان.
ورغم أن نسبة الخسائر بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله 100: 1 لصالح الجيش الإسرائيلي، حسب الإحصاءات الإسرائيلية، فإن حزب الله لا يعتبر ذلك هزيمة عسكرية تستدعي الاستسلام.
ويعلن قادته رفضهم قبول الوجود الإسرائيلي في قطاع أمني في جنوب لبنان واستمرار الوضع الراهن، الذي يواصل الجيش الإسرائيلي مهاجمة البنى التحتية لحزب الله وعناصره في كل أرجاء لبنان.
ومثلما هي الحال في غزة، حيث ما زالت حماس صامدة رغم ضعفها العسكري الكبير، بل وتحكم قبضتها على السكان، فإن تفوق إسرائيل هنا أيضاً لا يترجم إلى نصر كامل وعد به نتنياهو مراراً وتكراراً.
فما حققه ترامب حتى الآن هو على الأغلب وقف إطلاق نار مؤقت، دون اتفاقات سياسية ملزمة تهدف إلى ضمان استقرار استراتيجي بعيد المدى.
وجود الجيش الإسرائيلي في داخل اراضي العدو ينشئ منطقة عازلة تحسن حماية المواطنين الإسرائيليين قرب الحدود، لكنه في الوقت نفسه ينذر بمواجهات في المستقبل، لأن حزب الله وحماس سيجدان مبرراً لاستئناف القتال في المستقبل بهدف إنهاء احتلال الأراضي اللبنانية والفلسطينية.
للمرة الثانية على التوالي (الثالثة إذا تمت إضافة غزة) يجد نتنياهو نفسه في موقف حرج.
يجب عليه أن يفسر للرأي العام سبب اعتبار القرارات التي لم يتم التوصل إليها قصة نجاح كبيرة، ولماذا لم يبق ترامب صديقه المقرب، وكيف طغت إنجازاته في الحرب على فشل 7 أكتوبر، التي يلقي بالمسؤولية عنها على أجهزة الأمن.
يجب على كبار المسؤولين في الجيش الإسرائيلي الاستعداد لموجة هجمات أخرى من قبل المروجين الذين يجدون صعوبة في التوفيق بين الأوهام في شن معركة والواقع الصعب الحالي، لا سيما مخاوف وإحباط السكان على الحدود الشمالية.
ربما تنهار المفاوضات على الجانبين، وتعود الولايات المتحدة إلى القتال في الخليج، وتسمح لإسرائيل بجولة أخرى في لبنان.
جرى مؤخراً لقاء بين جهات عسكرية رفيعة والمراسلين.
من الواضح أن هيئة الأركان العامة تعرف مسار الأحداث المتوقعة في لبنان.
وقال أحد المتحدثين بأن الإنجاز العسكري الذي تحقق في الأسابيع الستة الأخيرة يمهد الطريق الآن لخطوة سياسية تهدف إلى صياغة اتفاق يضمن واقعاً أفضل على طول الحدود.
يستند تقدير الجيش إلى فرضيتين: الأولى أن الحكومة تهتم بهذه الخطوة وقادرة على تنفيذها.
والأخرى، أن الجيش الإسرائيلي سيمنح حرية هجومية في المنطقة الخاضعة لسيطرته في جنوب لبنان.
التقديران مشكوك فيهما؛ فليس واضحاً إذا كان نتنياهو يرغب في اتفاق، لأنه فضل مواصلة القتال في الجبهتين.
في غضون ذلك، تفرض تصريحات ترامب قيوداً كبيرة على تحركات الجيش الإسرائيلي، الذي قد يجد نفسه في مأزق إذا حاول حزب الله، رغم ضعفه العسكري، مواصلة شن هجمات حرب عصابات محددة الأهداف.
أما عن إيران فتشير تقديرات هيئة الأركان العامة إلى أنها وصلت إلى مرحلة ضعف كبير في المفاوضات مع الأمريكيين، رغم نجاح القيادة في التمسك بالسلطة.
وتوصي قيادة الجيش الإسرائيلي نتنياهو بالتصميم على إخراج كل اليورانيوم مرتفع التخصيب إلى خارج حدود إيران، وفرض حظر طويل المدى على التخصيب داخل إيران، وخفض الأموال التي سيتم الإفراج عنها للإيرانيين مقابل تسوية القضية النووية.
هذه طلبات مهمة، لكن يصعب التكهن في ما إذا كانت كافية لمواكبة وتيرة الرئيس الأمريكي، الذي يعطي وعوداً بالفعل لحل النزاع والتوصل إلى اتفاق حول وقف التخصيب مقابل مليارات الدولارات.
في الوضع الراهن، ربما خلافاً للتوقعات السابقة والواقع على الجبهة، يبدو أن ترامب أكثر حرصاً من الإيرانيين على التوصل إلى اتفاق.
أمس، نشبت أزمة جديدة؛ فرغم تصريحات متفائلة من الولايات المتحدة، فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني عن إعادة إغلاق مضيق هرمز رداً على فشل الطرف الأمريكي في رفع الحصار، بل وأطلق النار على سفينتين حاولتا عبوره.
ينبغي النظر إلى هذا التوتر كجزء من المفاوضات، في محاولة إيرانية لتعزيز موقفها التفاوضي في سبيل التوصل إلى اتفاق نهائي.
مع ذلك، يعتبر ذلك استفزازاً غير مبرر قد يدفع الإيرانيون ثمناً باهظاً له.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك