الموت بنزف الدم أعظم من الموت بالدم العفن.
هكذا كتبت أجساد الضحايا على طمي الوادي الذي شق قلبها ورمي بأبنائها للبحر.
حينما تأتي الأحداث الكبيرة في حياة الشعوب تبدأ معها الإرادات الصلبة، وعندما تندلع المصائب والمحن يصبح الموقف أصعب معاناة، هذه هي اللحظة الفارقة التي عاشتها درنة في فجر الاثنين الأسود 11-9- 2013.
فجر سيظل في ذاكرة المدينة مع تلك المواجع والأوجاع التي مرت بها من عذابات مع نظام شمولي فتت خاصرتها سنوات طويلة.
وشتت الكثير من أهلها في المنافي.
والعديد من مناضليها وشبابها في السجون والأقبية وعلى أعمدة المشانق، فرض عليها بيت الطاعة وحُوصرت بين الجبل والبحر، دفعت درنة ثمنا غاليا جدا لأنها رفضت الاستبداد والقمع والدولة العميقة والمكتب الثاني «المخابرات» ولهذا حُرمت من الكثير في خطط التنمية، ومُزقت جغرافيتها وجامعتها بين البلديات المجاورة حتى أصبحت طريدة لا حول لها ولا قوة.
كأنها في جمهورية موز - مارسوا عليها أصناف التوازنات وتصفية الحسابات والمصافحة من فوق الرؤوس، كل هذا ألزمها عنوة أن تكون مدينة طاردة، (1) كل الخبراء والتوكنوقراط والأطباء خارجها على رأسهم أكبر جراحي القلب في العالم بروف «هاني شنيب» (2) - وبعد فبراير 2017 حاول أهلها وطليعتها الوطنية، ونخبها المثقفة إعادتها من جديد لصف الوطن لكنها وجدت نفسها على حيطان غامضة واصطفافات مريبة.
ظلت حبيسة رؤى وأفكار متطرفة ليست لها وهي سيدة المسرح الثلاثيني والثقافة والفن والسياسة من عمر شنيب والشيخ علي العبيدي وعبد الرازق شقلوف وإبراهيم الأسطى عمر ومصطفى بن حليم وحتى علي الجربي وعبد الحميد الديباني وعبد الله سكته والشيخ عبد الجواد الفريطيس (3).
تاريخ طويل لعراقة مدينة.
تعرضت لتطرف أعمى ساهم في التنكيل بالكثيرين، وقدم صورة باهتة عن درنة التي عرف الليبيون جميعا أنها حاضنة صحابة رسول الله.
ومدينة المساجد العريقة.
والزوايا الصوفية.
وسلفية الإسلام السمح - حتى جاءت داعش وجاء معها الذبح والقتل وتقطيع الرؤوس أمام المساجد وفي ملاعب الكرة وكأنها قندهار (4) شمال أفريقيا.
معارك الموت مع داعش قادها شباب المدينة حتى خرجت وانتصر الدم على السيف كما قال الإمام علي كرم الله وجهه.
(5) وفي ظل صراع الأطراف الصلبة، والأجسام السياسية الباهتة، والمافيا السياسية التي جرفت الصفقات والغنائم، عاشت درنة محطة التيه الممنهج وضاعت ميزانيتها بين أيدٍ عابثة لم تستطع القيام بشيء من أجل التنمية فيها، أو تطوير وصيانة مرافقها - في مقدمتها السد الذي انفجر لأنه من دون صيانة من 1971 (6) حتى ليلة الاثنين الأسود الذي رمى فيها الوادي بذلك التسونامي من تواجد على ضفتيه إلى البحر نتيجة تلك الليلة الرهيبة.
طفحت الأجساد على المتوسط كأسماك انفجر فيها لغم صيد.
وأخرى ردمها الطمي.
وأطفال عانقتهم الصخور موتى كطيور البحر.
نام الذين ساهموا بفشلهم في هذه الكارثة الوطنية.
وهم من تولى مهام البلدية لسنوات طويلة ولكنهم لم يقدموا لها شيئًا يحميها من غدر الزمان، ناموا وفي الصباح خرجوا للفضائيات كي يطمسوا الجريمة بالتدليس على الإعلام البائس في ليبيا.
السؤال الذي هو الأصعب اليوم.
ماذا تبقى من درنة؟ وماذا سيفعلون بما تبقى منها بعد موت ياسمينها وعناقيد العنب والرمان والموز وبعد مغادرة خمس سكانها بين جثه هامدة ومفقود وجريح؟ تحققت أشياء جميلة من مشروع الإعمار كي نكون منصفين اليوم.
من أجل عودتها من جديد مدينة خرجت من منكوبة إلى مدينة عصرية السلطة السياسية التي صنعت دولة عميقة.
والسلطة السياسية في وطن ممزق.
والسلطة السياسية التي تتربع منذ سنوات في شيفونية الكراسي (7) هي المسؤول، وهي المتهم الأول وطنيا.
وهي مقولة غرامشي (9) «لا يمكننا أن نتبرأ من الظاهرة إذا لم نتبرأ من أسبابها»1- هم مجموعة خبراء في الهندسة والطب والإدارة.
2- جراح عالمي في القلب المفتوح 3- شخصية وطنية من المدينة 4- مدينة في أفغانستان تواجدت بها تيارات متطرفة كداعش وطالبان وأنصار الشريعة.
5- عبارة سيدنا علي كرم الله وجهه 6- السد الترابي الذي انفجر فجر دانيال سبتمبر 2023 - (7) السيطرة على الدولة بأسلوب ليس ديمقراطيًا 8- مفكر سياسي إيطالي شهير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك