أعادت واقعة خطف رضيعة داخل مستشفى الحسين الجامعى فتح ملف ارتداء النقاب داخل المؤسسات العامة والخدمية، بعدما كشفت عن كيف يمكن لإخفاء الهوية، فى بعض السياقات، أن يتحول إلى ثغرة تُستغل فى ارتكاب جرائم تهدد سلامة المجتمع.
هذا الجدل تتقاطع فيه اعتبارات الأمن مع أسئلة الحرية، فى معادلة دقيقة تستهدف حماية الحق فى الحرية الشخصية والخصوصية من جهة، وضمان الأمن العام ومنع الجريمة من جهة أخرى.
وبين من يرى النقاب حقًا أصيلًا لا يجوز المساس به، ومن يحذر من استغلاله كوسيلة لإخفاء الهوية وتعطيل أدوات التحقق، «الدستور» تفتح النقاش حول كيفية إدارة ملف «الهوية الظاهرة» داخل المؤسسات العامة والخدمية.
خبير تكنولوجيا: «الكشف الرقمى» ممكن عبر العين والوجه والصوتقال الدكتور محمد سعيد، خبير التكنولوجيا، إن التطور الكبير فى تقنيات «التعرف البيومترى» غيّر بشكل جذرى منظومة التحقق من الهوية، وجعل فرص التخفى أو إخفاء الملامح أقل بكثير مقارنة بالماضى.
وأوضح «سعيد» أن تقنيات التعرف على قزحية العين أصبحت مستخدمة بالفعل فى عدد من الدول مثل الإمارات، والتى تتيح التحقق الدقيق من الهوية دون الحاجة إلى كشف الوجه بشكل كامل، مضيفًا: «هذه التقنيات لم تعد مقتصرة على المطارات أو المنشآت عالية التأمين، بل أصبحت أكثر انتشارًا وأقل تكلفة مع مرور الوقت».
وأشار إلى أن أنظمة التحقق الحديثة لا تعتمد على تقنية واحدة، بل على منظومة متكاملة تشمل تحليل الصوت، ونمط الحركة، وطريقة المشى، إلى جانب تقنيات «الذكاء الاصطناعى» القادرة على تحليل الصور حتى فى ظروف معقدة مثل الزحام أو ضعف الإضاءة أو التغطية الجزئية للوجه.
ونبّه إلى أن بعض الدول مثل الهند توسعت فى استخدام بصمة العين ضمن قواعد بيانات ضخمة، ما عزز قدرتها على التحقق السريع والدقيق من الهوية، مع امتداد هذه التقنيات إلى قطاعات مدنية مثل البنوك والخدمات الحكومية.
وأتم بقوله: «دمج الذكاء الاصطناعى مع شبكات المراقبة وأبراج الاتصالات أسهم فى رفع كفاءة التتبع الأمنى، وتقليل فرص الإفلات من الملاحقة فى الحالات التى تتطلب تدخلًا أمنيًا دقيقًا».
خبير أمنى: الحل فى تعزيز وجود «الشرطة النسائية»أكد اللواء محمود منصور، الخبير الأمنى، أن منظومة العمل الأمنى تعتمد على تكامل العناصر البشرية، وفى مقدمتها الشرطة النسائية، والتى تمثل عنصرًا أساسيًا فى المنظومة الحديثة.
وأضاف «منصور»: «مصر تمتلك بالفعل أعدادًا من الشرطة النسائية المؤهلة، إلا أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى العدد بقدر ما يكمن فى حسن توزيع هذه القدرات على المواقع المختلفة، بما يضمن الاستفادة القصوى منها فى إجراءات التحقق والتعامل المباشر مع الجمهور».
ودعا إلى مراجعة مستمرة لآليات توزيع الشرطة النسائية، مع تعزيز وجودها فى المواقع التى تتطلب تواصلًا مباشرًا أو إجراءات تحقق هوية، بما يرفع كفاءة الأداء الأمنى ويسهّل الإجراءات دون تعقيد.
واختتم بتأكيد أن تطوير المنظومة الأمنية لا يعتمد على زيادة الأعداد فقط، وإنما على حسن الإدارة والتخطيط والتدريب المستمر.
«الأزهر»: ليس فرضًا.
وكشف الوجه من حق الجهات الأمنية والمؤسسات المختلفةمن الجانب الشرعى، أفاد الشيخ عبدالعزيز النجار، عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، بأن الحجاب فريضة شرعية ثابتة، بينما النقاب ليس فرضًا، وإنما يدخل فى باب الفضائل أو المستحبات التى يجوز الأخذ بها دون إلزام شرعى.
وأضاف «النجار»: «أن من حق الجهات الأمنية أو الإدارات فى المؤسسات المختلفة طلب كشف الوجه عند الحاجة للتحقق من الهوية، باعتبار ذلك إجراءً تنظيميًا لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، بل يحقق مقاصد حفظ الأمن والمصلحة العامة، كما هو معمول به فى بعض الشعائر مثل الحج والعمرة».
واختتم بتأكيد ضرورة أن تتم هذه الإجراءات فى إطار من الاحترام الكامل للمرأة وكرامتها، وبما يحقق التوازن بين الأمن والحرية الشخصية.
«القومى للمرأة»: التحقق من الهوية حق أصيل للمجتمع ولا يتعارض مع الحرية الشخصيةرأت الدكتورة فاتن العريفى، عضو المجلس القومى للمرأة، أن ارتداء النقاب يُعد حرية شخصية تعود لاختيار المرأة، معتبرة أن لكل فرد الحق فى اختيار الزى الذى يعبر عن قناعته وهويته الشخصية، طالما لم يترتب على ذلك الإضرار بحقوق الآخرين أو تعطيل مصالحهم أو التأثير على سلامة التعاملات داخل المجتمع.
وأضافت: «عدد كبير من المؤسسات، منها قرابة ٩٠٪ من الجامعات، يضع ضوابط تمنع ارتداء النقاب داخل الحرم الجامعى.
هذا الإجراء لا يأتى من باب التضييق أو المنع، وإنما من أجل ضمان الانضباط وتسهيل التواصل والتفاعل داخل البيئة التعليمية، التى تعتمد بشكل أساسى على وضوح الهوية فى التعامل المباشر بين الأفراد».
وأكدت أن مسألة التحقق من الهوية تُعد حقًا أصيلًا للمجتمع، إذ لا يمكن لأى منظومة خدمية أو تعليمية أو حكومية أن تعمل بكفاءة دون وضوح الشخصية، ومن الضرورى فى أى تعامل مباشر التأكد من هوية الشخص لتجنب أى لبس أو غموض فى الإجراءات.
وواصلت: «هناك سياقات دينية واجتماعية يُكشَف فيها الوجه بشكل طبيعى، مثل مناسك الحج والعمرة، والتى تعكس أهمية التحقق ووضوح الهوية».
ورأت أن النقاب لا يُفضل استخدامه فى الأماكن التى تتطلب تعاملًا مباشرًا مع الجمهور أو فى بيئات العمل والمصالح الحكومية، مضيفة: «حال الرغبة فى ارتدائه بشكل كامل، يجب أن يكون ذلك فى إطار خاص لا يؤثر على طبيعة التعامل العام، فالمجتمع بحاجة إلى معرفة هوية من يتعامل معه بشكل واضح ومباشر».
واختتمت بتأكيد أن النقاب يظل خيارًا شخصيًا فى إطار الحرية الفردية، إلا أن هذه الحرية ينبغى أن تُمارس بما لا يتعارض مع متطلبات العمل العام أو التعليم أو تقديم الخدمات، مع ضرورة تحقيق توازن بين الحرية الشخصية وحقوق المجتمع فى التحقق والوضوح.
قانونى: التوازن بين الحرية الشخصية ومتطلبات الأمن العام «ضرورة»رأى المحامى المتخصص فى القانون الجنائى والمدنى والتجارى، على صبرى، أن الجدل حول إخفاء الهوية لا يجوز التعامل معه بصورة عاطفية أو مجتزأة، وإنما من خلال رؤية قانونية متكاملة تقوم على مبدأ التوازن بين الحرية الشخصية ومتطلبات الأمن العام فى إطار الدستور والقانون.
وأشار «صبرى» إلى أن قانون الإجراءات الجنائية يمنح جهات الضبط صلاحيات محددة مثل الاستيقاف والتحقق من الهوية والتفتيش الوقائى، ولكن بشرط وجود مبررات جدية وواضحة، مبينًا أن هذه الإجراءات لا تستهدف فئة بعينها وإنما تُطبق على الجميع متى توافرت شروطها القانونية.
وفى الجانب المدنى، كشف «صبرى» عن أن وضوح الهوية يمثل أساسًا فى استقرار المعاملات بين الأفراد، لأن أى غموض فى الشخصية قد يؤدى إلى بطلان التصرفات أو صعوبة إثبات الحقوق، وهو ما ينعكس مباشرة على الثقة داخل المجتمع واستقرار التعاملات اليومية.
أما فى قانون الأحوال الشخصية، فأكد أن التحقق من الهوية يعد عنصرًا جوهريًا فى قضايا الزواج والطلاق والنسب، نظرًا لما يترتب على هذه القضايا من آثار قانونية واجتماعية تمس كيان الأسرة والمجتمع، ما يجعل دقة التحقق ضرورة لا يمكن التغاضى عنها.
واختتم بالتأكيد على أن الحل لا يكمن فى المنع المطلق أو الإباحة المطلقة، وإنما فى تنظيم متوازن يراعى خصوصية المجتمع، من خلال تفعيل القوانين القائمة وتطوير آليات تنفيذها، مع تعزيز الحضور الأمنى خاصة العناصر النسائية، بما يحقق الفاعلية ويحفظ الحقوق دون تجاوز.
أحكام قضائية: اختيار الملبس ليس حقًا مطلقًا.
ويجوز منع تغطية الوجه بالكامل لاعتبارات أمنية أو تعليميةفى ١٨ مايو ١٩٩٦، أصدرت المحكمة الدستورية العليا، برئاسة المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر، حكمًا مفاده بأن تغطية وجه المرأة بالكامل أمر ليس قطعى الثبوت والدلالة.
وجاء الحكم فى الدعوى المحالة إلى «الدستورية» من محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية، على خلفية قضية رفعها ولى أمر فتاتين منتقبتين ضد وزير التعليم بسبب منعهما من دخول الامتحان.
وفى حيثيات حكمها، تناولت «الدستورية» مسألة النقاب من منظور دينى ودستورى، مؤكدة أن تحريم أى أمر لا يكون إلا بنص قطعى الثبوت والدلالة، وهو ما لا يتوافر فى مسألة تغطية وجه المرأة بالكامل.
وأوضحت أنه لا يوجد نص صريح فى القرآن الكريم أو السنة النبوية يلزم المرأة بارتداء النقاب، وأن اعتبار جميع جسد المرأة عورة بما فى ذلك الوجه والكفان هو رأى فقهى غير مُجمع عليه بل خالفه عدد من الأئمة، منهم مالك وأبوحنيفة وأحمد بن حنبل فى رواية، إلى جانب الرأى المشهور عند الشافعية.
وأشارت إلى أن كشف الوجه لا يتعارض مع الحياء، بل قد يكون أدعى لتحقيقه، كونه يُيسّر التعارف والتواصل داخل المجتمع، ويخضع السلوك لرقابة اجتماعية طبيعية بما يعزز الانضباط الأخلاقى والنفسى.
وأكدت المحكمة أن هذا التنظيم لا يخالف المادة الثانية من الدستور، التى تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع.
كما رفضت المحكمة الدفع بمخالفة القرار لحرية العقيدة، موضحة أن هذه الحرية تعنى عدم الإكراه على اعتناق دين أو التخلى عنه، لكنها لا تحول دون تنظيم ممارسة الشعائر الدينية إذا كان ذلك التنظيم يهدف إلى حماية النظام العام أو حقوق الآخرين، مؤكدة أن القرار لا يمس جوهر العقيدة أو يعطل ممارسة الشعائر، بل يندرج ضمن تنظيم المباح.
وفيما يتعلق بالحرية الشخصية، أقرت المحكمة بأن اختيار الملبس يدخل فى نطاقها لكنه ليس حقًا مطلقًا، خاصة إذا تعلق الأمر بتنظيم داخل مؤسسة تعليمية، موضحة أن من حق المشرع فرض قيود على زى الطلاب فى نطاق محدد بما يحقق الانضباط والتمييز داخل البيئة التعليمية، ويمنع الالتباس أو الاختلاط بغير المنتمين إليها.
واعتبرت أن القرار محل الطعن لا يمثل اعتداءً على الحقوق والحريات، بل يُعد تنظيمًا مشروعًا فى إطار السلطة التقديرية للدولة فى إدارة العملية التعليمية، وبما لا يتعارض مع الدستور أو مبادئ الشريعة الإسلامية.
وفى عام ٢٠٢٠، حسمت دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا نزاعًا قانونيًا بدأ منذ عام ٢٠١٥، بتأييد قرار الدكتور جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة الأسبق، بحظر ارتداء النقاب لأعضاء هيئة التدريس.
وأكدت المحكمة فى حيثياتها أن حرية الفرد فى اختيار ملبسه تُعد حقًا دستوريًا، لكنها ليست مطلقة، خاصة عند ارتباطها بالوظيفة العامة التى تفرض قيودًا تضمن احترام كرامتها والتقاليد المرتبطة بها، مبينة أن عضو هيئة التدريس لا يُعد فردًا عاديًا، بل صاحب رسالة تعليمية تستلزم تواصلًا مباشرًا وفعّالًا مع الطلاب، وهو ما قد يتأثر بإخفاء الوجه.
وفى عام ٢٠١١، قضت المحكمة الإدارية العليا، برئاسة المستشار مجدى العجاتى نائب رئيس مجلس الدولة، بجواز أن تصدر الجامعات قرارًا واجب النفاذ قانونًا وشرعًا بحظر ارتداء الطالبات للنقاب داخل قاعات الامتحانات أثناء أدائها.
وقالت المحكمة إن ارتداء النقاب، وإن كان يُعد من مظاهر الحرية الشخصية للمرأة، فإن هذه الحرية لا تتعارض مع التزامها فى نطاق محدد بالقيود التى تضعها جهة الإدارة لاعتبارات أمنية أو تعليمية أو غيرها من الاعتبارات التى تقتضى التحقق من شخصية من ترتديه، خاصة فى سياقات تتطلب التأكد من الهوية ومنع أى التباس.
فى القليوبية، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على سيدة منتقبة ورجل، لاتهامهما بإلقاء جثة طفلة حديثة الولادة داخل أحد العقارات السكنية بمنطقة شبرا الخيمة.
وبمواجهتهما، أقرت المتهمة بأنها حملت سفاحًا من المتهم الثانى، وأنها تخلصت من جثة الرضيعة بمساعدته، إثر علاقة عاطفية جمعتهما.
كشفت الأجهزة الأمنية لغز جريمة قتل وقعت قبل أكثر من ثلاث سنوات فى منطقة عين شمس، إذ أقدمت سيدة ترتدى النقاب على قتل مسنة داخل شقتها بدافع السرقة، وتلقى قسم الشرطة بلاغًا بالعثور على الجثة وبها إصابات متعددة، وبإجراء التحريات تبين سرقة مبالغ مالية وهاتف محمول ودفتر مديونيات.
ومن خلال جمع المعلومات واستخدام التقنيات الحديثة، جرى تحديد هوية القاتلة وضبطها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
فى الإسكندرية، تمكنت وزارة الداخلية من كشف حقيقة مقطع فيديو متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعى، تضمن شكوى سيدة من ارتداء شقيقها النقاب والتعدى على شقتها، وبالفحص، تبين أن المتهم، وهو صاحب معلومات جنائية، تنكّر فى ملابس نسائية «نقاب»، واقتحم شقة شقيقته بدائرة قسم شرطة ثانٍ الرمل، وحطم كاميرات المراقبة بسبب خلافات على الميراث.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك