ما الذي يجمع بين الإعلامي المعروف إحسان قاضي (مواليد 1959) الذي تعرض للسجن أكثر من مرة، كان آخرها تلك التي قضى فيها حوالي السنتين 2024- عرفت فيه مؤسسته الإعلامية الخاصة التي كان على رأسها – مشروع قناة إذاعية وموقع الكتر وتي – الغلق والتشميع.
وطبيبة النساء أميرة بوراوي (1976) التي تم إيقافها عن عملها في القطاع الصحي العام كمتخصصة في التوليد وطب النساء- ليتم الحكم عليها لاحقا بالسجن هي الأخرى، قررت على أثره الهروب بشكل هوليوودي من الجزائر، عبر الحدود التونسية، متسببة في أزمة دبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، أدت إلى سحب السفير الجزائري من باريس -أميرة تملك الجنسية الفرنسية زيادة على الجزائرية الأصلية، نتيجة زواجها من رعية جزائري حاصل على الجنسية الفرنسية.
هي التي كانت مع المجموعة المؤسسة لحركة بركات التي بادرت بالخروج إلى الشارع على شكل مسيرات رفضا للعهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة، ما عرضها إلى كم هائل من المضايقات الأمنية والشائعات مستها هي وعائلتها.
الشيء نفسه الذي يمكن قوله حول الممثلة السينمائية والمسرحية عديلة بن ديمراد، التي بادرت بتنظيم نقاشات مفتوحة على سلالم المسرح الوطني، وسط العاصمة، كانت موجهة في البداية إلى الفنانين، قبل أن يتم توسيعها إلى المواطنين، مساء كل اثنين، بهدف تشجيع النقاشات بين الجزائريين حول القضايا التي تهمهم.
استغل فيها هامش الحرية الذي فرضه جو الحراك الشعبي، استعاد فيها الجزائري الحق في النقاش وإبداء الرأي، تم فيها خلق جو جديد على الساحة الفكرية والسياسية في الجزائر، جديد على الجزائريين، لم يكن غريبا أثناءها أن نشاهد وسيلة تمزالي ابنة البورجوازية التقليدية الكبرى، في حوار مع سمير لرابي مناضل حزب العمال الاشتراكي، تحت أعين شباب الأحياء الشعبية.
بعد أن توسعت هذه النقاشات المفتوحة إلى أبناء العاصمة من سكان الأحياء القريبة زيادة على فناني المسرح والسينما، التي توجهت إليها في الأصل هذه المبادرة.
وأخير طبيب الأسنان الحقوقي سيف الإسلام بن عطية، الذي تم رفض اعتماد الحزب الذي أراد تكوينه، بعد نشاط متميز داخل الحراك، اجتهد لكي يكون مفتوحا أمام حساسيات سياسية، توجه به نحو الشباب الذي أفرزته تجربة الحراك من مختلف التيارات السياسية والفكرية.
أبناء الضباط الساميين، يمكن عدهم مؤشرا معبرا عن حضور الفئات الوسطى الحضرية التي حاولت الهيمنة على الحراك والتأثير على مطالبهسأكتفي بهذه القائمة القصيرة من الأسماء من الذين ارتبطوا بالحراك والنشاط السياسي في الجزائر، في مواقع يغلب عليها طابع المعارضة، بدرجات متفاوتة وانطلاقا من مواقف فكرية وسياسية متنوعة، يحتل فيها الفكر اليساري موقع الريادة، لنكون أمام صفة مشتركة تجمع بين أعضاء هذه القائمة القصيرة من الأسماء، التي لعبت أدوارا مهمة أثناء الحراك.
لا يتعلق بتأهيلها العلمي العالي في تخصصات مختلفة، تراوحت بين الاقتصاد، كما كان الحال مع إحسان القاضي، والطب كما كان الأمر مع أميرة وإسلام.
أنجزوها كلها في الجامعات الجزائرية.
وليس في جامعات غربية كما ساد لدى أبناء هذه الأوساط الاجتماعية المتميزة اجتماعيا.
ولا أصولها الاجتماعية ـ الجغرافية الممثلة لكل التراب الوطني من أقصى الغرب ـ بداية من عديلة بن ديمراد بأصولها التلمسانية على الحدود المغربية، إلى أقصى الشرق -عائلة بوراوي من سوق إهراس على الحدود التونسية.
مرورا بولاية برج بوعريريج التي تنتمي إليها عائلة سيف الإسلام بن عطية، وصولا إلى منطقة القبائل التي تعود إليها أصول عائلة القاضي.
لنكون أمام أمر مهم أثار انتباهي وأنا اربطه بالأدوار المهمة التي لعبتها هذه الوجوه داخل الحراك.
سنعتمد عليها للقيام بنوع من سوسيولوجية هذه الحركة السلمية التي عاشتها الجزائر للمطالبة بإصلاح النظام السياسي الوطني، سأقوم به اعتمادا على مؤشراته البارزة المتعلقة بالمواقع الطبقية لهذه العينة الصغيرة من أبناء وبنات الحراك.
المهم فيه أن كل هذه الوجوه هي لأبناء وبنات ضباط ساميين في الجيش الوطني الشعبي، أو جيش التحرير، كما كان حال إحسان القاضي الأكبر سنا ضمن هذه القائمة، المولود في ليبيا سنة 1959 عندما كان الأب يسير قاعدة ديدوش مراد التابعة للمخابرات الجزائرية خلال حرب التحرير، أو الأب بوراوي -أستاذ الطب المتخصص في أمراض القلب – الذي كان على رأس قطاع الصحة العسكرية.
أبناء هؤلاء الضباط الساميين، الذين يمكن عدهم مؤشرا معبرا عن حضور هذه الفئات الوسطى الحضرية التي حاولت الهيمنة على الحراك والتأثير على مطالبه وهي تتجه به نحو مطالب نوعية، تم التركيز فيها على المطالب السياسية على حساب المطلب الاجتماعي- الاقتصادي، الذي لم تستطع فرضه الفئات الشعبية الحاضرة بقوة هي الأخرى داخل الحراك.
اقتنعت مثلما حصل الأمر مع أغلبية المشاركين في الحراك، أن زمن المطالب السياسية حان في الجزائر.
خيارات تم الوصول إلى تحديدها اعتمادا على تجربة الحركات الاجتماعية الشعبية التي استطاع النظام السياسي بطابعه الاقتصادي الريعي رشوتها، بل التلاعب بها، سنوات قبل الحراك كما حصل عندما استطاع توجيه هذه الحركات الاجتماعية بموجاتها المتكررة نحو العنف، مستغلا في ذلك طابعها الشعبي الذي قادته أجيال من أبناء المدن لم تكن تملك تجربة سياسية مهمة تقيها شرور التوجه نحو المواجهات العنيفة وهي تؤطر هذه الحركات التي بقيت من دون قيادة، تكرر ذاتها بشكل دائم.
العنف الذي استطاع الحراك أن يبتعد عنه بشكل واضح في 2019 من دون النجاح في حل الإشكال التاريخي، الذي عانت منه الحركات المطالبة بالتغيير في الجزائر، وأقصد بذلك عدم قدرتها على إنتاج نخبة ممثلة لها تتفاوض باسمها، استمر كنقطة ضعف قاتلة لم تنجح الفئات الوسطى الحاضرة في الحالة الجزائرية أن تحل جزءا من الإشكال الذي تعاني منه، رغم المجهودات المبذولة، كما بينت ذلك من خلال عينة الحالات المعروضة، التي مثلها أبناء الضباط الساميين داخل الحراك.
وهم يطالبون بإصلاح النظام السياسي الذي ساهم الأب بقوة في إنتاجه.
يوحي الكثير من المؤشرات، ان الأب الضابط السامي نفسه لم يكن دائم التوافق مع توجهاته السياسية على الأقل في السنوات التي سبقت الحراك، كما كان حال الكثير من الجزائريين.
الذين خرجوا في مسيرات عارمة للمطالبة بالتغيير كان رفض العهدة الخامسة لبوتفليقة شرارته الأولى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك