بدعوة كريمة من الأستاذ أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، شاركت في اللقاء التأسيسي لفرقة مسرح ماسبيرو ألفين وستة وعشرين، الذي احتضنته أروقة هذا الكيان العريق في أجواء مفعمة بالتفاؤل، استحضرت معها روح الريادة المتجذرة في هذا الصرح العظيم، وقد شهد اللقاء اجتماع نخبة من رموز الفن وصناع الثقافة الذين استشعروا أن هذه الخطوة تمثل انطلاقة حقيقية نحو استعادة أمجاد المسرح المصري.
إن إحياء مسرح التليفزيون سيمثل إضافة نوعية وقوية لمسرح الدولة، ليكون رافداً أساسياً يصب في مصلحة الحركة الفنية برمتها، غير أنني وأنا أتابع مجريات النقاش، استشعرت حاجة ماسة لترسيخ مفهوم المشاركة الجماعية الشاملة، ففي مقام يستوجب تكاتف كل العقول وتكامل الخبرات، تمنيت لو اتسعت مساحة الحوار لتستوعب الجميع، خاصة مع ما لمسته من تجاهل مؤسف لدور النقاد والصحفيين، وعدم إتاحة الفرصة لهم للمشاركة بالرأي رغم كونهم شركاء أصلاء في صناعة الوعي الثقافي.
لقد فوجئت برفض غير مبرر من الأستاذ سيد فؤاد، رئيس قناة نايل سينما، عندما طالبت بإبداء الرأي والمشاركة في الحوار، مبرراً ذلك بأن الأستاذ المسلماني طلب الاختصار في المداخلات، غير أنني أعلم يقيناً أن نهج المسلماني لا يعرف الإقصاء ولا يضيق بوجهات النظر المختلفة، فبدا لي الأمر أقرب إلى رغبة في تضييق مساحة النقاش لا في تنظيمه.
ومع ذلك لم تخل الجلسة من أفكار بناءة، فقد لفتني ما طرحه الصديق العزيز والمنتج الواعي هشام سليمان، الذي تعامل مع المشروع بعقلية المنتج المحترف، مؤكداً أن المسرح في نهاية المطاف هو الجمهور، وتوقف طويلاً أمام العقبة اللوجستية المتمثلة في موقع المسرح بالدور السابع، متسائلاً بعقلية هندسية وعملية عن كيفية صعود خمسمائة مشاهد في ظل وجود مصعدين فقط، والمدة الزمنية المستغرقة لتنظيم دخول وخروج هذا العدد الكبير من الجمهور، وهي تساؤلات جوهرية تفرض ضرورة وجود دراسة جدوى تأخذ في الاعتبار كافة التفاصيل، بما في ذلك سلامة المتفرجين، خاصة وأن البدء الفعلي في هدم المكاتب الإدارية خلف المسرح لتحويلها إلى منطقة خدمات يشير إلى أن التنفيذ قد سبق الدراسة، مما قد يضعنا أمام مخاطر حقيقية تندرج تحت بند إهدار المال العام.
وهنا لابد أن نتوقف أمام جانب في غاية الخطورة، وهو البعد الأمني والسيادي لمبنى ماسبيرو؛ فهذا الصرح هو قلب الدولة النابض ورمز شرعيتها، والتاريخ القريب يخبرنا كيف كان هدفاً استراتيجياً في فترات عدم الاستقرار، وتحديداً في عهد الإخوان، حيث كانت المظاهرات تضع ماسبيرو في بؤرة استهدافها كونه المنبر السيادي الذي تعني السيطرة عليه السيطرة على مفاصل الدولة.
إن التعزيزات الأمنية الصارمة المحيطة بالتليفزيون ليست رفاهية بل ضرورة وطنية قصوى، وهنا يبرز التحدي الجوهري: كيف يمكن التوفيق بين هذه الحساسية الأمنية العالية وبين تحويل الدور السابع إلى مسرح جماهيري يستقبل مئات المواطنين يومياً؟ إن مقتضيات التأمين الصارم قد تتصادم مع طبيعة الجمهور الذي يبحث عن المتعة والانسيابية، مما يفرض علينا التساؤل بجدية عن مدى ملاءمة حصر التجربة داخل هذا المبنى السيادي بوضعه الحالي، بينما العودة إلى الجذور التاريخية عام ألف وتسعمائة واثنين وستين تمنحنا المفتاح؛ حيث كانت العروض تقام وتبث من مسارح متنوعة مثل، ومسرح محمد فريد، ومسرح الهوسابير، ومسرح النهار بالكلية الحربية مما وفر انسيابية حركية وأمنية بعيداً عن حساسية المواقع الحكومية السيادية للدولة.
ومن خلال مشاهداتي لمسارح عالمية في أمريكا ولندن وباريس والصين، أدرك يقيناً أن سر نجاح أي تجربة يكمن في التخطيط الدقيق.
ففي عام ألفين وستة عشر، ومن واقع مسؤوليتنا كأعضاء في اللجنة العليا للإعلام بالمجلس الأعلى للثقافة، تصدرت نقاشاتنا معضلة الجزر المنعزلة التي تفصل بين وزارتي الإعلام والثقافة، ورغم المبادرة التاريخية التي قادها الصديق الإعلامي محمد هاني رئيس قناة النهار الحالي لمد جسور التعاون، إلا أنها انتهت بخلاف حاد ومؤسف بين وزير الثقافة آنذاك الكاتب الصحفي حلمي النمنم والإعلامي عصام الأمير رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون وقتها، مما بدد فرصة ذهبية لربط الوعي الثقافي بالانتشار الإعلامي.
واليوم نجد الفرصة مواتية لتدارك ما فات في ظل وجود قيادات وطنية منفتحة، وفي مقدمتهم الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة الحالية؛ إذ نؤمن بأن هذا التناغم المؤسسي هو الضمانة الوحيدة لتحويل الرؤى إلى واقع إبداعي، وهو ما يذكرني بلقائي بالدكتور أحمد هنو وزير الثقافة السابق أثناء افتتاح استوديو نجيب محفوظ بماسبيرو، حيث تبادلنا الرؤى حول حتمية التنسيق بين وزارة الثقافة والهيئة الوطنية للإعلام، وقد أبدى سيادته استعداداً كبيراً لدعم هذا الاتجاه.
وفي سياق البحث عن حلول عملية، أجدد اليوم طرح مقترحي الذي نلت عنه جائزة اليونسكو خلال اجتماع وزراء الثقافة العرب بتونس عام ألفين وستة عشر، والذي تناول كيفية تطويع الوسائط الحديثة لدعم الثقافة المصرية؛ حيث يتمثل جوهر المقترح في خلق ارتباط عضوي وشراكة استراتيجية بين الهيئة الوطنية للإعلام ووزارة الثقافة، تقوم على تمويل مشترك يضمن إعادة إطلاق قناة النيل الثقافية بحلتها الجديدة.
إن هذه الشراكة ليست مجرد تعاون إداري، بل هي تحالف يهدف إلى جعل القناة ذراعاً إعلامياً ومنصة حاضنة لمشروع مسرح التليفزيون، بما ينهي عزلة المؤسسات وينصهر في بوتقة مشروع ثقافي وطني واحد، وهو ما يتكامل مع الرؤية الشمولية التي أكد عليها الأستاذ أحمد المسلماني بشأن التنسيق مع وزارات الثقافة والتعليم والشباب والرياضة.
ومن وحي معايشتي لتجربة الدولة الصينية الشقيقة، أدركتُ يقيناً كيف تُشيد الأمم أمجادها حين تمزج ببراعة بين عبقرية الماضي وطموح المستقبل؛ فقد شهدتُ هناك كيف يُدرس المسرح في المدارس والجامعات كعلم وفكر وسلوك، وكيف تُقام عروضه في الأروقة التعليمية كجزء أصيل من التكوين المعرفي للشخصية.
وفي مدينة لان جو، استوقفني عرض مسرحي مبهر استغرق التحضير له عامين كاملين، لكن المدهش حقاً لم يكن في التقنيات الفائقة فحسب، بل في ذلك التدفق الجماهيري المنقطع النظير، حيث ترفع المسارح لافتة كامل العدد طوال أيام الأسبوع دون توقف، في مشهد يجسد إدراك الشعب الصيني العميق لأهمية المسرح كركيزة للهوية القومية.
وهذا الإقبال الكاسح هو الدليل العملي على أن الفن حين يحترم عقل المشاهد يصبح حاجة يومية لا غنى عنها، وهو النموذج الملهم الذي نلمسه اليوم واقعاً في التجربة المصرية الحديثة، حيث تمضي مصر بخطى ثابتة نحو مشروع حضاري شامل لبناء الجمهورية الجديدة وفق رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي جعل من بناء الإنسان محوراً أصيلاً لعملية التنمية، ليكون مسرح التليفزيون احد النوافذ التي تعكس هذا التحول الحضاري العظيم وتنقله للأجيال بصورة تليق بمكانة مصر الدولية.
ختاماً، إن الرؤية الواقعية لإحياء مسرح التليفزيون تقتضي ألا نحصر العروض وجماهيرها خلف الجدران السيادية لمبنى ماسبيرو، بل يجب استعادة النهج التاريخي الذي بدأ به المشروع عبر تقديم العروض على مسارح خارجية تضمن وصول الفن لكافة فئات الشعب دون قيود لوجستية أو أمنية معقدة.
وهنا تبرز أهمية الشراكة المؤسسية؛ حيث يمكن استثمار الصروح والمسارح المجهزة التابعة لوزارة الثقافة والوزارات الأخرى في كافة المحافظات، لتكون منصات لعروض المسرح في إطار تعاون مشترك يوازن بذكاء بين هيبة" ماسبيرو" كمنشأة سيادية، وبين حق الجمهور في الوصول للإبداع بيسر وسهولة.
إن الحديث عن استعادة مسرح التليفزيون يستوجب منا العودة إلى الجذور لفهم فلسفة إنشائه الأولى؛ إذ لم يكن الهدف من تأسيسه في المقام الأول إقامة عروض مسرحية جماهيرية بالمعنى التقليدي، بل كان ضرورة استراتيجية تهدف إلى خلق منصة إنتاجية خاصة بالشاشة وبناء قاعدة من المبدعين لتغذية المحتوى البرامجي والدرامي، بالإضافة إلى كونه فضاءً للاحتفالات والمؤتمرات الداخلية التي تعكس قيمة وهيبة مؤسسة ماسبيرو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك