حين أعلن قيس عبد الكريم (أبو ليلى) تخليه عن موقعه القيادي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، قبل نحو ثلاثة أعوام، بدا الأمر وكأنه استراحة محارب لمناضل عربي أتى طوعا للفلسطينيين، بكلّ حظهم العاثر وبؤس أقدارهم.
اضافة اعلانتعود بي الذاكرة إلى طولكرم، ذات نهار صيفي لاهب، قبل حوالي ستة عشر عاما.
كان حضور الرجل يومها إنسانياً خالصاً قبل أن يكون سياسيا.
كنا في ضيافة منظمة التحرير الفلسطينية، خلال فعالية ثقافية.
يومها، اختار أبو ليلى، اليساري العتيق، الذي يُبقي دوما على موقفه الناقد للسلطة أي سلطة وعلى نفسه الثوري حتى وهو رائق الطباع، أن يولم لنا، كنازحين ولاجئين في دول الطوق، ومن ثم انضم معنا لحلقة دبكة طويلة.
وحتى حين تحدث مرحّبا، كان صوته هادئا يفيض شجناً.
ما كان يخطب بنا، بل كان يقترب منا، وهو العراقي الذي اختار طريق الآلام معنا منذ أيام الثورة الفلسطينية.
ذلك المشهد لا يُستعاد اليوم كذكرى شخصية فقط، بل كصورة لزمن كان يحمل مزيدا من الأمل بأن يخطو الوضع الفلسطيني نحو مزيد من الاستقرار.
الرجل، المولود في بغداد في العام 1944، جاء إلى فلسطين لا بوصفها محطة، بل قدراً اختاره.
ترك خلفه حياة كان يمكن أن تكون أكثر رفاهية، وهو ابن العشيرة العراقية ذائعة الصيت، والتحق مبكرا بالحركة الوطنية الفلسطينية، ليصبح أحد أبرز قيادات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وواحدا من وجوهها السياسية والفكرية على مدى عقود.
لم يكن انتماؤه سياسياً فقط، بل كان انخراطاً كاملاً في المصير.
تزوج من فلسطينيات، وعاش تفاصيل حياتهن بكل ما فيها من قلق وخسارات وانتظار.
لم يكن متضامناً من الخارج، بل شريكاً في القصة.
وحين عاد مع الفلسطينيين بعد اتفاق أوسلو، لم تكن العودة نهاية المنفى، بل شكلاً آخر منه؛ حياة داخل حدود ضيقة، تحت احتلال مباشر، حيث تبدو الضفة الغربية سجنا واسعا.
كان بوسعه أن يعود إلى العراق، أو أن يختار بلادا أقل قسوة، لكنه بقي بإصرار.
اختار أن يظل داخل الحكاية الفلسطينية، بكل ما فيها من تعقيد وانكسار.
عمل في السياسة، وشارك في المؤسسات، ودافع عن رؤية ديمقراطية تقدمية وسط كل الخراب والتآكل.
وحين تخلى عن موقعه القيادي، لم يكن ذلك انسحاباً بقدر ما كان إشارة إلى تحوّل أوسع: جيل كامل يتقدم خطوة إلى الخلف، تاركا المساحة لغيره، ومحمّلا بذاكرة ثقيلة من التجارب والانتصارات المؤجلة.
لا تبدو سيرة قيس عبد الكريم معزولة؛ ذلك أنها تنتمي إلى زمن عربي أوسع، اختار فيه كثيرون أن يجعلوا من فلسطين قضيتهم الشخصية.
كانوا يرون أن فلسطين عنوان عريض لمعاني التحرر والانعتاق، لا ما يحدث اليوم من التعامل معها كعبء ثقيل وقضية بالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك