تنتشر الصالات الرياضية الخاصة في مختلف أنحاء العراق، في الأحياء الشعبية والراقية، ما يعكس تحوّلاً لافتاً في اهتمامات الأجيال الجديدة، وتحولت تلك القاعات إلى مساحات حياة بديلة خلال السنوات الأخيرة، يلوذ بها الشباب والفتيات بحثاً عن توازن مفقود في مجتمع مثقل بالضغوط المعيشية والاجتماعية.
ويبرز انتشار القاعات الرياضية في مختلف المدن، وحتى في الأرياف، تحوّلاً لافتاً في اهتمامات الشبان العراقيين، ولا يأتي الإقبال المتزايد عليها من فراغ، فمع تصاعد القلق من انتشار تعاطي المخدرات وحالات الانتحار بين الشباب، ينصح مختصون بممارسة الرياضة، مؤكدين أنها ضرورة علاجية ووقائية، ويعدّ انتشار القاعات الرياضية مؤشراً على ارتفاع الوعي الصحي، خاصة بين الفئات الشابة.
يدير مدرب اللياقة البدنية علي بيرلو، إحدى القاعات الرياضية في بغداد، ويقول إن السنوات الأخيرة شهدت" قفزة نوعية" في أعداد المشتركين، مبيناً لـ" العربي الجديد" أن" الإقبال لم يعدّ مقتصراً على الشباب الباحثين عن بناء العضلات أو إنقاص الوزن، إذ أصبحت القاعات الرياضية تستقبل الكثير من طلبة الجامعات والموظفين من الجنسين، وحتى مراهقات في مقتبل العمر، ما يؤشر إلى وعي متزايد بأهمية الصحة البدنية".
ويشير بيرلو إلى أن" نصائح الأطباء لعبت دوراً مهماً في هذا التحول، وأن العديد من المشتركين يأتون بتوصيات طبية، ومن بينهم من يعانون القلق أو الاكتئاب، أو المعرضون لميول سلوكية خطرة، ونوفر بدورنا بيئة صحية منضبطة تساعدهم على إعادة ترتيب حياتهم وفق المعايير البدنية".
يلتزم الكثير من الشبان والشابات بمواعيد التدريب داخل الصالات، ومن بين هؤلاء محمد رياض (29 سنة)، والذي بدأ التدريب مثقلاً بعادات مدمرة، لكن المداومة على الرياضة غيرت حياته.
ويقول لـ" العربي الجديد": " قبل ثلاث سنوات كنت غارقاً في التدخين وتعاطي المواد المخدرة، وكنت أسير نحو الهاوية بعد أن فقدت تركيزي، وتدهورت صحتي، وابتعدت عن عائلتي".
يضيف رياض: " بدأ التحول عندما أصرّ صديقي، وهو لاعب كمال أجسام، على اصطحابي إلى القاعة الرياضية، في البداية كنت أذهب مجاملة له، ثم بدأت أشعر بتغيير في داخلي.
التعب الجسدي كان يطرد الرغبة في التعاطي، والانضباط اليومي أعاد لي احترام نفسي.
أقلعت تماماً عن التدخين، وعن تعاطي المواد المخدرة، وأشعر أن الرياضة أنقذتني من خطر الموت".
ولا يقتصر التحول على الذكور، فالفتيات أيضاً وجدن في صالات الرياضة مساحة لإعادة تعريف أنفسهن، بعيداً عن الصور النمطية أو قيود الخجل الاجتماعي.
تتحدث زهراء عبد الرحمن (22 سنة) بثقة عن رحلتها مع الرياضة، قائلة لـ" العربي الجديد"، إنها كانت تعاني خجلاً شديداً، وضعفاً في تقدير الذات، قبل أن تقنعها صديقتها المقربة بالالتحاق بإحدى القاعات الرياضية النسائية، وبعد نحو عامين من المداومة، اكتشفت أن الرياضة ساعدتها على تحسين شخصيتها.
وتوضح زهراء: " المداومة على ممارسة التمارين لم تمنحني الرشاقة فحسب، بل علمتني أيضاً الالتزام وتحمل المسؤولية، ومنحتني ثقة كبيرة في نفسي.
فتيات كثيرات يسألن عن برنامجي الغذائي وخطتي التدريبية، وأصبحت أشجع غيري من الفتيات على مزاولة الرياضة، وبالفعل تأثرت عدد من صديقاتي بي، وأصبحن يمارسن الرياضة مثلي".
بدوره، ينظر حسام عاشور (27 سنة) إلى الأمر من زاوية أخرى تتعلق بفهم الجسد، والتعامل معه بوصفه منظومة متكاملة تحتاج إلى وعي ومعرفة، لا مجرد تمارين عابرة.
يقول لـ" العربي الجديد": " تمسكي بالتمارين اليومية منحني شعوراً عميقاً بالراحة النفسية، فعندما أتمرن أشعر أن الضغوط تتبخر، وأتعلم كيف يعمل جسدي، وكيف أحافظ عليه".
هناك أيضاً من ساعدتهم الصالات الرياضية في معركة التخلص من الوزن الزائد، وتبدلت حياتهم بالكامل، إذ تحسن مظهرهم ما منحهم جاذبية أكبر واهتماماً من الآخرين، وهذا ما يدفعهم إلى الاستمرار، لكنهم يشددون في الوقت ذاته على أن المكسب الحقيقي كان استعادة السيطرة على حياتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك