في زيارتي الأخيرة مع صديق إلى النادي اليوناني المطلّ على ميدان طلعت حرب في وسط القاهرة، كنا نرفع أعيننا بين الحين والآخر إلى الساعة، حتى لا يداهمنا الوقت.
فالإغلاق الذي فرضته الحكومة المصرية كان مقرراً في التاسعة مساءً آنذاك، قبل أن يُمدَّد لاحقاً إلى الحادية عشرة.
هذا الموعد بالكاد كان يمثل بداية السهر في مدينة تعوّدت أن تؤجل نومها حتى الصباح.
عند مغادرتنا، بدت القاهرة كأنها تنسحب من نفسها.
أضواء المحال انطفأت تباعاً، والواجهات التي كانت تضج بالحياة صارت معتمة، فيما خفتت حركة المارة إلى حد لافت.
في الأيام الأولى، تعامل الناس مع القرار بارتباك واضح؛ يتحركون في خطوات متسارعة، ونظرات قلقة، كأن المدينة تستعيد، على نحو مباغت، ذاكرة بعيدة من ليالٍ لم تشهدها إلا نادراً، لعل أقربها ما تلا ثورة 25 يناير 2011، وزمن جائحة كورونا، حين فُرض حظر التجول.
بدت المدينة كأنها مدينة أخرى، مع سريان القرار الأخير، في سياق خطة حكومية لترشيد استهلاك الطاقة بسبب الحرب.
أُغلقت المقاهي، وألغت دور السينما حفلاتها المسائية، وبكّرت المسارح موعد عروضها لتتوافق مع موعد الإغلاق، كأن المدينة أُعيدت برمجتها قسراً.
يقال إن القاهرة مدينة لا تنام، فهل كانت دوماً هكذا، أم أنّ هذا الوصف مجرد مبالغة حديثة غذّتها السينما والذاكرة الشعبية؟ الواقع أن تتبّع تاريخ المدينة يكشف أن هذا اللقب ليس طارئاً تماماً، وإن ترسّخ بصيغته الحالية في القرن العشرين، مع اتساع المجال الحضري، وتكثّف الحياة الثقافية في وسط المدينة.
ربما للمرة الأولى يُعاد تعريف ليلها بهذا الشكل المفاجئفي كتابه" منتصف الليل في القاهرة" (دار الكتب خانة/ ترجمة علاء الدين محمود، 2024) يرصد الكاتب البريطاني رفاييل كورماك كيف تحوّل الليل في القاهرة، خلال النصف الأول من القرن الماضي، إلى مساحة موازية للحياة الرسمية؛ فضاء تختلط فيه السياسة بالفن، وتتشابك فيه الطبقات الاجتماعية داخل المسارح والملاهي والمقاهي.
لم يكن الليل مجرد امتداد زمني لنهار طويل، بل كان عالماً قائماً بذاته، له إيقاعه الخاص وقوانينه غير المكتوبة.
أما كتاب" القاهرة: المدينة المنتصرة" (منشورات بيكادور، 1998) للكاتب البريطاني ماكس رودنيك، فيصفها مثل كائن لا يهدأ، تتبدل ملامحه مع حلول المساء، ازدحام لا ينقطع، ومقاهٍ ممتدة، وأحاديث لا تنتهي؛ إذ تبدو كما يقول مدينة مرهقة نهاراً، لكنها تستعيد طاقتها مع حلول الليل.
وإذا عدنا أبعد من ذلك، سنجد أن الرحالة الغربيين الذين زاروا القاهرة في القرن التاسع عشر توقفوا طويلاً أمام حيويتها الليلية.
يصف المستشرق البريطاني إدوارد وليم لين، في كتاباته عن القاهرة، شوارع مضاءة ومقاهي عامرة حتى ساعات متأخرة، حيث تستمر العروض الموسيقية وحفلات الغناء والسهر حتى الصباح.
كانت تلك الملاحظات، رغم ما يشوبها أحياناً من نزعة استشراقية، تشير بوضوح إلى أن الليل كان جزءاً أصيلاً من بنية المدينة، بوصفه متنفساً ومساحة للانفلات النسبي من القيود الاجتماعية.
مقاهي وسط القاهرة تمثل منتديات مفتوحة، يتجاور فيها الكُتّاب والفنانون مع رواد عاديين، في حوارات يومية تتقاطع فيها السياسة بالأدب، والفن بتفاصيل الحياة.
هذا الدور يتجلى بوضوح في الأدب، ففي رواية" قشتمر" لنجيب محفوظ، يتحول المقهى الذي تحمل الرواية اسمه، إلى ما يشبه المسرح المفتوح للزمن؛ مكان تتبدل فيه الأحوال، وتُقاس عبره تحولات الشخصيات والمجتمع.
فالمقهى هنا يمثل بنية سردية قائمة بذاتها، تختزن الذاكرة وتعيد إنتاجها.
أما في الثلاثية، فيظهر الليل امتداداً ضرورياً لحياة الشارع، حيث يخرج الأفراد من فضاء البيت المغلق إلى فضاء أكثر اتساعاً، تتشكل فيه العلاقات وتُختبر فيه الحدود.
يستمر الصراع الطبقي في صورة أكثر حدة تحت غطاء الليلفي روايته" كائنات الليل والنهار" (2019) يصور أشرف الصباغ ليل القاهرة باعتباره فاصلاً زمنياً تنشط فيه المخلوقات المهمشة والمنسية، وتتأكد خلاله الاختلافات الطبقية، بين من ينامون في أمان داخل بيوتهم المسورة، ومن يعيشون في أحيائهم العشوائية.
الليل في هذا العمل هو وقت الحقيقة والكشف عن الوجه القبيح للمدينة.
وفي" عمارة يعقوبيان" (2002) لعلاء الأسواني يتجلى ليل القاهرة بوصفه مرآة للمدينة بكل تناقضاتها.
من البارات إلى الشقق المغلقة، ومن العلاقات السرية إلى صخب الشوارع، يبدو الليل مساحة تتحرر فيها الشخصيات نسبياً من قيود النهار، لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشتها.
القاهرة هنا لا تنام فعلاً، لكنها أيضاً لا تستريح؛ إذ يستمر الصراع الطبقي والاجتماعي في صورة أكثر حدة تحت غطاء الليل.
السينما المصرية بدورها التقطت هذا الوجه الليلي، وقدّمته بوصفه مسرحاً موازياً للحكايات.
في أفلام الأبيض والأسود، تبدو القاهرة ليلاً مدينة أخرى، أضواء ناعمة، وشوارع أقل ازدحاماً، وشخصيات تتحرك خارج رقابة النهار، كأن الظلام يمنحها قدراً من الحرية أو الجرأة.
وفي فيلم" اللص والكلاب" المقتبس عن رواية محفوظ وإخراج كمال الشيخ، يتحول الليل إلى فضاء نفسي كثيف، حيث تتضاعف عزلة البطل وتصبح المدينة نفسها جزءاً من مطاردته، بينما يكشف فيلم" القاهرة 30" لصلاح أبو سيف عن وجه آخر، تتخفى فيه علاقات السلطة والمصالح داخل سهرات ولقاءات لا تُعقد إلا بعيداً عن وضوح النهار.
وترى الباحثة الفرنسية، آن كوكلان، في كتابها" المدينة ليلاً" (المطابع الجامعية الفرنسية، 1977) أن الليل يمثل حالة اجتماعية وثقافية قائمة بذاتها، وتعرف المدن بطبيعة الحياة فيها بعد الغروب، كيف تُضاء، وكيف تتحرك، ومن يملك فضاءها في تلك الساعات.
فالليل ليس زمناً محايداً كما تقول، بل بنية تكشف عن طبيعة المجتمع نفسه.
بعض المدن تُدار ليلاً كما تُدار نهاراً، بل وتجد في العتمة طاقة إضافية للحياة والإنتاج، فيما تميل مدن أخرى إلى الانكفاء المبكر، فتغلق فضاءاتها العامة، وتعيد توزيع النشاط داخل حدود أكثر ضيقاً.
بين هذين النموذجين، يتحدد موقع القاهرة اليوم، وهي تختبر، ربما للمرة الأولى منذ زمن طويل، معنى أن يُعاد تعريف ليلها بهذا الشكل المفاجئ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك