يتسم الشرق الأوسط بتعدّد بؤر التوتر وتداخل الأزمات، وتبرز مصر كفاعل يسعى لإعادة صياغة قواعد الاستقرار في الشرق الأوسط عبر مقاربة تجمع بين الواقعية السياسية والدبلوماسية الوقائية.
فالتصعيدات المتلاحقة في محيط الإقليم من الخليج العربي وشرق المتوسط إلى البحر الأحمر، ومن الساحة اللبنانية إلى الأراضي الفلسطينية تعكس انتقال المنطقة من حالة «إدارة الأزمات» إلى مرحلة «إدارة المخاطر المركبة»، حيث لم تعد الصراعات تقليدية، بل أصبحت هجينة تجمع بين العسكري والاقتصادي والإعلامي.
ولم يعد الدور المصري مقتصراً على الوساطة التقليدية، بل تطور إلى ما يُمكن وصفه بـ«الهندسة الاستراتيجية للاستقرار»، حيث تعمل القاهرة على احتواء الأزمات ومنع تفاقمها قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة، وهذا التحول يستند إلى إدراك عميق بأن تكلفة عدم الاستقرار أصبحت مرتفعة بشكل غير مسبوق، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن النزاعات في الشرق الأوسط كلفت أكثر من 2 تريليون دولار خلال العقد الأخير، إلى جانب تداعيات إنسانية واسعة شملت نزوح وتشريد عشرات الملايين.
وتعتمد مصر على منظومة متكاملة من الأدوات تبدأ بالدبلوماسية مُتعدّدة المسارات عبر أطر مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وتمتد إلى قنوات الاتصال الخلفية التي تتيح التواصل بين أطراف لا تجمعها علاقات مباشرة، كما توظف القاهرة أدوات اقتصادية مثل مشروعات الربط الطاقوي والبنية التحتية لتعزيز الاعتماد المتبادل، وهو ما يُعد إحدى آليات تقليل احتمالات الصراع، ويُعزّز هذا الدور موقع مصر الجغرافي الاستراتيجي، حيث تمر عبر قناة السويس نسبة 12% إلى 15% من التجارة العالمية، مما يمنح مصر نفوذاً وظيفياً يتجاوز الأبعاد السياسية التقليدية.
وتنتهج مصر سياسة «تنويع الشراكات دون الارتهان»، مما يسمح لها بالحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها الدولية وثوابتها الإقليمية، وعلى رأسها دعم الدولة الوطنية، ورفض التدخّلات الخارجية، وهذا التوازن يمنحها هامش حركة أوسع، مقارنة بنماذج التحالفات الصلبة التي سادت في فترات سابقة، ويجعلها أقرب إلى دور «صانع التوازن»، الذي يسعى إلى منع الهيمنة الأحادية في الإقليم.
ورغم ذلك لا تخلو هذه المقاربة من تحديات، فالمشهد الإقليمي يشهد تصاعداً في التنافس بين القوى المختلفة، إلى جانب تنامي دور الفاعلين من غير الدول، مما يزيد تعقيد إدارة الأزمات، كما أن الضغوط الاقتصادية العالمية، مثل ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف التمويل تفرض قيوداً على قدرة الدول، ومنها مصر، على التحرك بحرية.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الاقتصاد المصري يُحقق معدل نمو 5.
3% خلال 2026 مع ناتج محلي يقترب من 450 مليار دولار، وهو ما يوفر قاعدة دعم للدور الإقليمي، لكنه لا يلغي التحديات المرتبطة بالبيئة الاقتصادية العالمية.
أما على مستوى النظام الدولي، فتكشف التطورات الراهنة عن واقع هجين يجمع بين القواعد والنفوذ، فبينما توفّر المؤسسات الدولية إطاراً قانونياً لتنظيم العلاقات، تظل موازين القوة هي العامل الحاسم في توجيه القرارات، وتتبنى مصر مقاربة براجماتية تجمع بين الالتزام بالشرعية الدولية والعمل الواقعي ضمن حدود التوازنات القائمة، مع الدعوة إلى إصلاح النظام الدولي، ليكون أكثر عدالة وتمثيلاً.
وفي ما يتعلق ببؤر التوتر الإقليمية، يظل الوضع في لبنان مثالاً على هشاشة الدولة تحت ضغط الأزمات المتراكمة، حيث تتداخل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، مما يجعل أي تصعيد إقليمي عاملاً إضافياً لعدم الاستقرار، وفي غزة والضفة الغربية والقدس يستمر التوتر في تقويض فرص التسوية السياسية، مع بقاء المنطقة في حالة «لا حرب ولا سلام»، وأيضاً الواقع المؤلم في منطقة الخليج العربي، وهو ما يُعزز أهمية الدور المصري في تثبيت التهدئة وفتح قنوات للحلول السياسية.
واقتصادياً، تمتد تداعيات هذه الأزمات إلى النظام العالمي، حيث تؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد والتوريد وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن، وبالنسبة إلى مصر ينعكس في شكل ضغوط تضخمية وعجز في الميزان التجاري، لكنه يفتح فرصاً لتعزيز دور مصر كمركز لوجيستي إقليمي، خصوصاً مع إعادة توجيه بعض مسارات التجارة العالمية.
وفي المقابل، أصبح الإعلام عنصراً محورياً في إدارة الصراعات، حيث تستخدمه قوى مثل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران كأداة لصياغة السرديات والتأثير على الرأي العام، مما يضيف بُعداً جديداً للصراع يتجاوز الميدان العسكري إلى المجال المعلوماتي.
وبالنظر إلى المستقبل يبدو أن الشرق الأوسط يتجه نحو نظام «توازنات مرنة» متعدّد الأقطاب، حيث تتشكل التحالفات وفق المصالح المتغيرة، وليس وفق الاصطفافات الأيديولوجية، وتبرز مصر كفاعل محوري يسعى لتثبيت قواعد الاستقرار عبر مزيج من الردع المحدود والدبلوماسية الوقائية.
هذا، وتتحرك مصر وفق رؤية استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى إعادة تعريف مفهوم الاستقرار في المنطقة، ليس بوصفه غياب الصراع فقط، بل باعتباره نتاجاً لتوازن مستدام بين السيادة والتنمية والأمن وتسعى القاهرة إلى إيصال رسالة مفادها أنه لا يمكن تحقيق استقرار حقيقي دون احترام الدولة الوطنية، ولا يمكن ضمان مستقبل آمن للمنطقة دون بناء نظام إقليمي قائم على التوازن والتكامل، وليس على الصراع والتنافس الصفري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك