عبر التاريخ، كانت سيناء ساحة لمعارك الشرف ضد الغزاة، ولكن معركتها الأشرس في العصر الحديث لم تكن ضد عدو كلاسيكي يقف خلف الحدود، بل ضد" خفافيش الظلام" من جماعات الإرهاب والتطرف التي حاولت اختطاف هذه البقعة الطاهرة لتأسيس إمارات الدم والخراب.
اليوم، ونحن نتأمل سيناء بعد سنوات من التحرير الثاني، نقف أمام ملحمة أسطورية تدرس في كتب التاريخ؛ ملحمة صاغتها مصر بيدين: يد تقبض على الزناد لتطهير الأرض وكسر شوكة الإرهاب، ويد أخرى تزرع وتبني وتشق الصخر لتأسيس نهضة تنموية غير مسبوقة.
فماذا تغير في سيناء خلال السنوات الماضية؟ وكيف تحولت من ساحة حرب إلى ورشة عمل كبرى وتنمية شاملة؟تطهير الأرض.
معركة الوجود وكسر شوكة الإرهابكانت العمليات الإرهابية في سيناء تستهدف حماة الوطن من الجيش والشرطة، وتغتال براءة المدنيين، في محاولة يائسة لعزل سيناء عن جسد الوطن الأم.
إلا أن الرد المصري جاء حاسما، فكانت" العملية الشاملة سيناء 2018" نقطة تحول تاريخية تلاحم فيها الجيش والشرطة مع قبائل سيناء الشريفة في معركة وجودية شرسة، قدمت خلالها قوافل من الشهداء الأبرار الذين روت دماؤهم رمال العريش ورفح والشيخ زويد.
وبفضل هذه التضحيات العظيمة، تم تدمير البنية التحتية للإرهاب، وتجفيف منابع تمويله، ومحو أوكاره، لتعود سيناء آمنة مطمئنة، وتطوى صفحة سوداء من تاريخها إلى الأبد.
شرايين الحياة.
إنهاء العزلة وربط سيناء بالوطنأدركت القيادة المصرية أن الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بقوة السلاح، بل بالتنمية، وكان التحدي الأكبر هو" فك العزلة" الجغرافية.
من هنا، انطلقت أضخم عملية ربط لسيناء بباقي محافظات مصر عبر إنشاء شبكة عملاقة من الأنفاق أسفل قناة السويس (مثل أنفاق تحيا مصر، وأنفاق 3 يوليو، ونفق الشهيد أحمد حمدي 2)، إلى جانب الكباري العائمة والمعديات.
كما انطلقت خطة" الربط الشامل" لدمج سيناء جغرافيا واقتصاديا بالوادي والدلتا، وانتهت معاناة انتظار المعديات التي كانت تستنزف الأيام، عبر شق 6 أنفاق عملاقة أسفل قناة السويس (أنفاق تحيا مصر بالإسماعيلية، أنفاق 3 يوليو ببورسعيد، ونفق الشهيد أحمد حمدي 2 بالسويس).
ولم يتوقف الأمر عند الأنفاق، بل تم تنفيذ شبكة طرق قومية داخل سيناء بأطوال تتجاوز 3000 كيلومتر، مثل تطوير الطريق الدولي الساحلي، وإنشاء الكباري العائمة، لضمان تدفق البشر والبضائع والاستثمارات في دقائق معدودة، لتصبح سيناء على مسافة نبضة واحدة من قلب القاهرة.
هذه الشرايين، أنهت معاناة الانتظار التي كانت تدوم لأيام للعبور من وإلى سيناء، وحولتها إلى دقائق معدودة، لتتدفق شرايين التنمية والبضائع والبشر بسلاسة تامة، معلنة دمج سيناء الكامل في جسد الاقتصاد القومي.
تعمير الصحراء وتحويلها إلى مجتمعات نابضةتغير وجه الحياة على أرض سيناء؛ حيث تحولت المساحات الصحراوية الشاسعة إلى مجتمعات عمرانية حديثة.
بنيت ودشنت مدن جديدة بأسس ذكية ومستدامة، أبرزها" مدينة رفح الجديدة" التي صممت لتعويض الأهالي وتوفير حياة كريمة تليق بصمودهم، بالإضافة إلى" مدينة الإسماعيلية الجديدة" و" مدينة سلام مصر" (شرق بورسعيد).
كما تم التركيز على التجمعات التنموية البدوية، حيث تم إنشاء عشرات التجمعات التي توفر مساكن ملائمة للأهالي، مزودة بأراض زراعية وآبار مياه، ومدارس، ومراكز صحية، لتوطين الأهالي وخلق حائط صد ديموغرافي منيع ضد أي محاولات مستقبلية لاختراق الأمن القومي.
الزراعة والصناعة.
استثمار الثروات وخلق فرص العمللم تقتصر التنمية على البناء، بل امتدت لخلق قاعدة اقتصادية قوية.
في مجال الزراعة، كان التحدي هو المياه، فجاءت محطة معالجة مياه مصرف" بحر البقر" – وهي الأكبر من نوعها في العالم – لتوفير ملايين الأمتار المكعبة من المياه الصالحة للزراعة، بهدف استصلاح مئات الآلاف من الأفدنة في شمال ووسط سيناء، وتحويل الرمال الصفراء إلى رقعة خضراء تساهم في الأمن الغذائي المصري.
صناعيا وتجاريا، تم التركيز على تعظيم الاستفادة من ثروات سيناء التعدينية، فتم إنشاء المجمعات الصناعية المتكاملة (مثل مصانع الرخام والإسمنت)، وتطوير الموانئ (كميناء العريش وميناء شرق بورسعيد) لتصبح سيناء مركزا لوجستيا عالميا، بالإضافة إلى تطوير بحيرة البردويل لتعزيز الثروة السمكية، مما خلق آلاف فرص العمل للشباب السيناوي والمصري بشكل عام.
معجزة المياه.
تحويل الرمال الصفراء إلى جنات خضراءالمعركة الأكبر في الصحراء هي معركة المياه، وفي سيناء، تحولت هذه المعركة إلى إنجاز هندسي عالمي، لتوفير الأمن الغذائي وفرص العمل، حيث تم تدشين أضخم محطات معالجة مياه الصرف الزراعي في العالم؛ أبرزها" محطة بحر البقر" التي دخلت موسوعة جينيس بطاقة إنتاجية تبلغ 5.
6 مليون متر مكعب يومياً، إلى جانب محطة" المحسمة" بطاقة مليون متر مكعب يومياً.
هذه المياه المعالجة الثلاثية تُضخ عبر مسارات عملاقة إلى سيناء بهدف استصلاح وزراعة نحو 460 ألف فدان في شمال ووسط سيناء، مما يعيد رسم الخريطة الديموغرافية والزراعية لمصر، ويحول التجمعات الصحراوية إلى سلال غذاء حقيقية.
تعمير الإنسان.
مدن الجيل الرابع والتجمعات البدويةلم تنسَ الدولة حق المواطن السيناوي في حياة كريمة تليق بصموده، لذا استهدفت خطة التنمية بناء مجتمعات عمرانية حديثة تنهي عشوائية السكن وتلبي احتياجات المستقبل.
تم إنشاء مدن جديدة ذكية، على رأسها" مدينة رفح الجديدة" التي تضم أكثر من 10 آلاف وحدة سكنية بمعايير حديثة، ومدينة" الإسماعيلية الجديدة"، و" مدينة سلام مصر" شرق بورسعيد.
وإلى جانب المدن، تم تنفيذ 17 تجمعا تنمويا زراعيا وسكنيا متكاملا في شمال ووسط سيناء، تم تسليمها للأهالي مزودة بالمنازل، والأراضي الزراعية، والآبار، والمراكز الصحية والمدارس، لضمان استقرار البدو وتوفير مقومات الحياة الكريمة لهم.
الصناعة والاقتصاد.
استثمار كنوز الأرضسيناء ليست مجرد رمال، بل هي خزان للثروات.
وقد شهدت السنوات الماضية تحولاً من تصدير الخامات إلى تصنيعها، حيث تم إنشاء مجمعات صناعية ضخمة مثل مجمع مصانع الرخام والجرانيت بـ" الجفجافة"، ومصانع الأسمنت.
كما تم تطوير" ميناء العريش البحري" وتعميقه ليكون نافذة سيناء لتصدير المنتجات المصرية إلى الأسواق العالمية.
سيناء.
عبور جديد نحو مستقبل من التنميةإن ما شهدته سيناء خلال السنوات القليلة الماضية ليس مجرد خطة تنمية عادية، بل هو" عبور جديد" بكل المقاييس.
لقد أثبتت مصر للعالم أن الدماء التي سالت لتحرير سيناء من الاحتلال، وتلك التي سالت لتطهيرها من الإرهاب، لم تذهب سدى بل تحولت إلى طاقة بناء شيدت الطرق، وزرعت الأرض، وعمّرت المدن.
سيناء اليوم تنفض عن كاهلها غبار المعارك، وترتدي ثوب المستقبل، لتقف شامخة كدرع مصر الشرقي المنيع، وصندوق ثرواتها الذي لا ينضب، شاهدةً على إرادة شعب وقيادة قرروا أن تكون الحياة والتنمية هي الرد الأقوى والأبقى على كل دعاة الموت والخراب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك