أثار قرار فصل موظفات محجبات داخل شركة فرنسية كبرى جدلًا واسعًا في فرنسا، بعد أن تحوّل الحجاب، الذي كان مقبولًا لسنوات، إلى سبب مباشر لإنهاء عقود عمل، بذريعة الالتزام بمبدأ “الحياد” داخل بيئة العمل.
وتعود تفاصيل القضية إلى تحقيق استقصائي نشره موقع “ميديا بارت” الفرنسي، كشف عن حالات فصل وتهديد بالفصل طالت عددًا من الموظفات المحجبات العاملات في شركة “إيليور غروب” التابعة لمجموعة “ديريشبورغ”.
" استهداف مفاجئ ودون مقدمات"ونقلت العاملات للموقع أنهن التحقن بوظائفهن وهن يرتدين الحجاب، واستمر ذلك لسنوات من دون تسجيل أي اعتراض إداري أو مهني، قبل أن تتلقى بعضهن، مطلع عام 2026، إشعارات رسمية تطالبهن بخلعه أثناء العمل.
وبحسب الشهادات، استندت هذه المطالب إلى لوائح داخلية متعلقة بـ“الحياد”، مع منح مهلة محدودة للامتثال، قبل الشروع في إجراءات تأديبية قد تصل إلى الفصل بدعوى “الخطأ الجسيم”.
إحدى الموظفات وصفت ما جرى بأنه استهداف مفاجئ ودون مقدمات، معتبرة أن القرار عكس شعورًا بإمكانية الاستغناء عنهن بسهولة، لكونهن يشكّلن “فئة هشّة” داخل المؤسسة.
خطوة تنظيمية أم تمهيد للفصل؟وأشار التحقيق إلى أن الشركة عدّلت نظامها الداخلي في أبريل/ نيسان 2026، مضيفة بنودًا تنظّم ارتداء الرموز الدينية، لا سيما للموظفين الذين يتعاملون مباشرة مع الجمهور في أماكن مثل المدارس والمستشفيات.
واعتبر مراقبون أن توقيت هذه التعديلات يثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت خطوة تنظيمية عامة، أم تمهيدًا قانونيًا لاتخاذ قرارات الفصل.
في المقابل، أقرت إدارة الشركة باتخاذ “بعض الإجراءات”، لكنها وصفتها بأنها حالات فردية ولا تعكس سياسة ممنهجة تستهدف فئة معينة، مؤكدة أن الهدف يقتصر على تطبيق مبدأ الحياد، خصوصًا في المواقع المرتبطة بالمرافق العامة.
غير أن هذا التبرير قوبل بانتقادات، إذ رأى متابعون أن تكرار الحالات، بالتزامن مع تعديل اللوائح، يضعف رواية “الاستثناء”، ويطرح علامات استفهام حول التزام الشركة بمبادئ عدم التمييز في العمل.
ونقل التقرير عن خبراء قانونيين أن هذه الإجراءات قد تندرج ضمن ما يُعرف بـ“التمييز غير المباشر”، في حال ثبت أنها تؤثر فعليًا على فئة بعينها، حتى وإن صيغت بنصوص تبدو محايدة، خصوصًا في ظل غياب أي مخالفات مهنية مسجلة بحق الموظفات المعنيات.
وتأتي هذه القضية في سياق أوسع تشهده فرنسا، حيث تتكرر النقاشات حول تعديل اللوائح الداخلية للشركات بهدف تقييد الرموز الدينية، ما يعيد إلى الواجهة الجدل المستمر بشأن حدود العلمانية، وحرية المعتقد، ومفهوم “الحياد” داخل القطاع الخاص.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، أثار التحقيق تفاعلًا واسعًا، حيث عبّر كثيرون عن رفضهم لما اعتبروه تناقضًا في الخطاب المتعلق بحقوق الفرد والحريات، منتقدين السماح بالتوظيف مع الحجاب ثم اعتباره لاحقًا مخالفًا لقواعد العمل.
كما دعا بعض المعلقين إلى تدخل الجهات الرسمية لحماية حقوق العاملات، خاصة أن الشركة تنشط في مرافق عامة وتعتمد على عقود مع مؤسسات عمومية، فيما رأى آخرون أن استبعاد موظفات لأسباب تتعلق بمظهرهن الديني قد ينعكس سلبًا على سوق العمل، خصوصًا في القطاعات الخدمية التي تعاني أصلًا من نقص في اليد العاملة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك