هنا تتماهى الروح مع تراتيلُ العبور والجسد المنهك على «ترابيزة العمليات»، هنا تصبح لحظة الغيبوبة هى «البرزخ» الفاصل بين الوجود والعدم.
الساعة غارقة فى رمادية القاهرة بعد ظهر الأربعاء، 25 مارس 2026، تركت السماء تمطرُ وجعاً وبرداً ودخلت غرفة العمليات، أنتظر على كرسى متحرك دقائق مرت كالدهر.
كنت ك «الديك « الذى ينتظر مصيره وهو يسمع آنات من سبقوه وتترامى لاذنه اصوات السكاكين، أقصد المشارط والمقصات، لم يكن العالم الخارجى وحده هو الذى يشتعل خلف جدران «مستشفى المقطم» للتأمين الصحى الذى يقوده مايسترو يقود سيمفونيتها باقتدار د.
محمد عبدالله ويعاونه د.
أحمد محمود ود.
أحمد مراد والادارى المتميز ايمن، فى هذه الغرفة تفوح رائحة المعقمات الباردة، هنا سيكتب مصيرى من جديد، ليس بمداد الحبر، بل بنزيف الشرايين وانسدادها.
كنتُ أرقبُ شاشات الفضائيات قبل ان أدخل والصواريخ الباليستية تنطلق من قلب إيران نحو «أهدافها» فى قلب العدو، وقاذفات «بي-52» الإمريكية وهى تشقُّ سكون الليل لتصبَّ جحيمها على العزل.
وفجأة، انتقل الإعصارُ من خرائط الجغرافيا والسياسة إلى خارطة صدري.
صرتُ أنا المعركة، والميدان أنا، ياه.
أنا الضحية التى تقاوم الطوفان و ترفض السقوط.
• غوايةُ العدم: حوارٌ مع الموتدخلتُ غرفة العمليات بقدميَّ، وكأننى أسيرُ نحو حتفى الاختياري.
كان الاستشارى د.
منصور فاروق، بوقاره الذى يشبه هدوء ما قبل العاصفة، يحاول تأجيل المواجهة.
اقترح «دبلوماسية المسح الذري»، كمحاولة لقراءة الوجع من بعيد دون ملامسة ناره.
لكنني، بتمردٍ وجوديٍ لا أعرف مصدره، أو قل بتمرد الجاهل بالقادم من الألم ولا يدركه، أصررتُ على اقتحام الإعصار.
«الآن»، قلتُها وكأننى أعلنُ الحرب على قدرى وأتمرد على وجودى.
يتدخل د.
محمد عبد الله مدير المستشفى ويعقد كونسلتو ب»الموبايل» مع استشارى المستشفى ومدير وحدة القلب د.
طارق السمان ود.
منصور فاروق لتبدأ الرحلة.
!تسربت القسطرة فى دهاليز دمى بوخز خفيف محتمل وبضغطة البداية المؤلمة التى تعودت على وجعها وتوغل سائل البنج فى شريانى، دقائق وفجأة وبلا مقدمات بدأت أشعربالندم ينهشُ روحى قبل جسدى عندما بدأ الاعصار يهاجم صدرى.
فجأة توحش الألمُ ليفوقُ قدرة اللغة على الوصف، لم يكن وجعاً عادياً مثل الأوجاع التى عشتها على مدى السنين، بل كان «اقتلاعاً» للحياة من جذورها… فى تلك اللحظة، رأيتُ وجه الموت يغزو المكان.
شممتُ رائحة سكونه وجبروته فى آن واحد.
تمنيتُ لحظات من زمن فات وبألمها ووجعها.
كله هين وتافه بالمقارنة بما أرى.
أصرخ.
وهو سلوك أرفضه وأقاومه كرجل يأبى الضعف ويناطحه طوال عمري: – «كفي!
اتركونى أذهب إلى هناك، حيث لا وجع، ولا قاذفات، ولا شرايين مسدودة».
هناك، فى «اللاشيء» الجميل الذى أتخيله واتذوقه من البعد، هناك حيث يستريح المحارب من عناء النبض والأعاصير.
كانت غواية الاستسلام تهمسُ فى أذنى كصوتٍ رخيم يَعِدُ بالراحة الأبدية.
• ترابيزةُ القسطرة: التابوتُ الاختيارى.
وعتبةُ الغيبوبةأحتمى بالله: يارب أنا فى حماك.
أستدعى الأحياء والأموات فى آن واحد.
الأنبياء والصالحين.
ال البيت والصحابة وال العباءة.
تتلاشى تفاصيل الغرفة.
المونيتورات.
«ترابيزة القسطرة».
أصوات المشارط والالات.
كلها لم تكن مجرد قطع من أثاث طبى بارد، كانت بالنسبة لى هى «التابوت» وأدواته وملحقاته التى أخترتُ أن أضطجع فيه طواعيةً لأواجه حساب دمي.
خشونة اللحظة بل قسوتها تذكرنى بصلابة الواقع الذى أحاول الانفلات منه، بينما ضجيج الأجهزة ينسجُ كفناً من التوتر حولى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك