فلم تكن إسرائيل لتخرج من جنة سيناء، بالكلمات، أو بمفاوضات هادئة على موائد السياسة المخملية؛ فالمحتل لا يفهم سوى لغة القوة، ولا يتراجع إلا إذا أحس ببرودة سيف الهزيمة على عنقه.
خاضت مصر، أشرس المعارك في التاريخ الحديث، معركةٌ بدأت بزئير المدافع ودم الشهداء على رمال سيناء، وانتهت بصمت قاعات المحاكم الدولية وقوة الحجة والبرهان.
في قلب هذه الملحمة، يقف القانوني الدكتور مفيد شهاب، عضو هيئة الدفاع المصرية في قضية طابا، ليروي لنا من خزانة أسراره تفاصيل ما حدث في ذلك اليوم الخالد، وكيف انتزعت مصر حقها من بين أنياب ذئب مراوغ، لتكتب بماء الذهب قصة استرداد كامل «أرض الفيروز».
زلزال العبور.
الرصاصة التي مهدت لطاولة المفاوضاتيبدأ الدكتور مفيد شهاب شهادته دائما بتصحيح مسار التاريخ، مؤكداً أن يوم 25 أبريل 1982، الذي شهد جلاء آخر جندي إسرائيلي عن سيناء (باستثناء طابا)، لم يكن منحة مجانية من المحتل، بل كان الثمرة الطبيعية لـ" بركان" السادس من أكتوبر 1973.
ويقول بكلمات حاسمة: «لولا الدماء التي سالت، ولولا الجندي المصري الذي حطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، لما جلست إسرائيل للتفاوض أصلا».
لقد أجبرت قوة الردع العسكرية المصرية قادة تل أبيب على إدراك حقيقة دامغة: البقاء في سيناء بات فاتورة دموية لا يمكنهم تسديدها، ليكون نصر أكتوبر هو المطرقة التي حطمت غطرسة العدو، ومهدت الطريق لمعاهدة السلام التي ألزمت إسرائيل بالانسحاب الكامل.
خديعة الأمتار الأخيرة.
وافتعال أزمة «العلامة 91»مع اقتراب موعد الانسحاب النهائي في 25 أبريل 1982، عادت إسرائيل لممارسة عادتها التاريخية في المراوغة والابتزاز، فقد حاولت التلاعب في مواقع العلامات الحدودية، وتحديدا «العلامة 91»، للاحتفاظ بشريط طابا الاستراتيجي ومنطقة رأس النقب، مدعية أنها أراضٍ إسرائيلية.
ظن العدو أن القيادة المصرية، التي أنهكتها عقود من الحروب العسكرية والضغوط الاقتصادية، قد تتنازل عن كيلو متر مربع واحد من أجل إتمام السلام.
لكن الرد المصري، كما يصفه الدكتور شهاب، كان صفعة مدوية: «مصر لا تساوم على سيادتها، ولن نفرط في ذرة رمل واحدة».
وهنا تقرر اللجوء إلى خيار التحكيم الدولي، لتنطلق معركة من نوع آخر؛ معركة بلا خنادق أو مدافع، سلاحها الخرائط، وذخيرتها الوثائق.
كتيبة العقول.
حرب الوثائق في مواجهة تزييف التاريخيروي الدكتور مفيد شهاب، كيف تشكلت «اللجنة القومية لاسترداد طابا»، والتي كانت بمثابة كتيبة قتال قانونية وتاريخية ضمت خيرة عقول مصر من قانونيين، ومؤرخين، وعلماء جغرافيا، وعسكريين.
واصل هؤلاء الرجال الليل بالنهار لسنوات، وطافوا عواصم العالم، من الأرشيف البريطاني إلى الأرشيف العثماني في تركيا، لجمع كل خريطة، وكل وثيقة، وكل قصاصة ورق تثبت حق مصر التاريخي في طابا.
يصف مفيد شهاب، هذه المرحلة بأنها «حرب أعصاب»؛ حيث حاولت إسرائيل طمس الحقائق وتزوير الجغرافيا، لكن" كتيبة العقول" المصرية، تصدت لهم بحائط صد قانوني منيع، مفندة كل ادعاء إسرائيلي بالدليل القاطع والحجة التي لا تُدحض.
الصدمة الإسرائيلية في جنيف.
«هزمتمونا بعبقريتكم»في 29 سبتمبر 1988، وفي مدينة جنيف السويسرية، جاءت اللحظة الحاسمة التي حبست أنفاس الملايين.
نطقت هيئة التحكيم الدولية بحكمها التاريخي: طابا أرض مصرية، والعلامة 91 في موقعها الصحيح.
وعن هذه اللحظة، يكشف الدكتور شهاب عن واحد من أكثر المواقف فخرا في حياته، حين اقترب منه أحد أعضاء هيئة الدفاع الإسرائيلية عقب النطق بالحكم، وعلامات الصدمة والانكسار تكسو وجهه، ليقول له نصا: «كنا نعلم من البداية أن طابا مصرية، ولكننا راهنا على عدم قدرتكم على إثبات ذلك، غير أننا لم نتخيل يوما أن تمتلكوا هذا القدر من العبقرية والتنظيم للدفاع عن حقكم وإقناع المحكمة بهذا الشكل المبهر»، كان هذا الاعتراف هو وسام الانتصار القانوني لمصر.
حرب أكتوبر.
الشرارة الأولى للتحريريرى شهاب أن تحرير سيناء بدأ فعليًا في السادس من أكتوبر 1973، عندما تمكنت القوات المسلحة المصرية من تحطيم أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر»، وأثبتت قدرة مصر على استعادة أرضها بالقوة.
هذه الحرب لم تحقق فقط نصرًا عسكريًا، بل فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التفاوض من موقع قوة، وهو ما مهد الطريق لاستعادة سيناء بالكامل.
كلمات خالدة لمفيد شهاب عن تحرير طابايؤكد شهاب أن أهم ما يجب أن نتعلمه من تحرير سيناء هو أن «ما ضاع حق وراءه مطالب» و«وأن استرداد الحقوق يتطلب عملًا منظمًا وصبرًا طويلًا» و«وأن الجمع بين القوة العسكرية والدبلوماسية والقانون هو الطريق لتحقيق الأهداف الكبرى».
كما شدد على ضرورة نقل هذه التجربة للأجيال الجديدة، باعتبارها نموذجًا فريدًا في إدارة الصراعات وتحقيق الانتصارات.
25 أبريل في عيون الأجيال.
السيادة لا تتجزأاكتملت ملحمة التحرير برفع العلم المصري فوق طابا في 19 مارس 1989، لتُطوى صفحة الاحتلال تماماً.
ويختتم الدكتور مفيد شهاب شهادته، برسالة خالدة للأجيال القادمة، مؤكدا أن إحياء ذكرى 25 أبريل ليس مجرد احتفال بماضٍ مجيد، بل هو تذكير بعقيدة ثابتة: «الأوطان لا تُحمى بالشعارات، بل بالاستعداد والقوة والحجة».
إن تحرير سيناء يعلمنا أن الحق الذي تُسانده القوة العسكرية في الميدان، وتحرسه العقول المفكرة على طاولة المفاوضات، هو حق لا يمكن أن يضيع.
هكذا عادت سيناء كاملة، لتظل درة تاج الوطن، وشاهدا حيا على أن إرادة المصريين أقوى من كل غاصب، وأصلب من كل المحن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك