باحث في الاقتصاد السياسي /خبير مصرفي ومالي وتمويل مستقلحالُ السوداني اليوم، في ظل حربٍ ممتدةٍ لعامها الرابع، بعد أن أفقدته كثيرًا من ذكرياته ومقتنياته، وبدّدت أمنه وهدّدت حياته، هو حالُ من يصارع للتعافي مترقبًا لحظة انقضاء هذه الحرب اللعينة.
وفي خضم هذا السعي، يواجه خوفًا من نوعٍ آخر: أن يسلبه هذا التطور التقني والإنساني المتسارع—المسمى بالذكاء الاصطناعي—متعةَ أغنياته التي سكنت وجدانه وذاكرة أمته، حين تُقدَّم اليوم بتقنيات متقدمة، لكنها تُغنّى بلسانٍ غير سوداني، وبلهجةٍ لا تشبه صوته.
في زمنٍ تعيد فيه الخوارزميات تشكيل ما نسمع، لم تعد أزمة الأغنية السودانية في اللغة أو اللحن فقط، بل في “النبرة” ذاتها.
كيف نحمي صوتًا كاملًا—بتاريخه وإحساسه—من أن يتحول إلى نسخة ملساء داخل نموذج عام؟لم تعد المسألة في أن تُغنّى الأغنية السودانية بلهجة غيرها فحسب، بل في أن تُسلب روحها وهي تتكلم بلسانها.
فخلال الفترة الأخيرة، ظهرت أعمال تُقدَّم بوصفها “سودانية” من حيث الكلمات أو الموضوع أو حتى الإيقاع العام، لكنها تحمل في أدائها الصوتي ونبرتها وانعطافاتها الوجدانية ظلالًا واضحة من لهجات عربية أخرى، خصوصًا المصرية واللبنانية.
والنتيجة ليست مجرد خطأ عابر في النطق أو خلل بسيط في المعالجة الفنية، بل تشوّه أعمق يمس الطعم نفسه: ذلك الإحساس الدقيق الذي يجعل المستمع يعرف، من الجملة الأولى، أن هذا الصوت سوداني في روحه قبل ألفاظه.
ليست مؤامرة… بل انحياز خوارزميهذه الظاهرة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد مشكلة ذوقية، ولا بوصفها دليلًا على “فساد الذكاء الاصطناعي” في ذاته.
فالأدوات لا تتآمر، لكنها أيضًا لا تفهم الهوية كما يفهمها البشر.
هي تتعلم من التكرار، وتعيد إنتاج الأنماط الأكثر حضورًا في بياناتها.
وحين تكون اللهجات المصرية أو اللبنانية أكثر كثافة وانتشارًا في المحتوى العربي الرقمي، يصبح من الطبيعي أن تميل النماذج إليها تلقائيًا، حتى عندما يُطلب منها أن تنتج أغنية سودانية.
ومن هنا فإن الخلل ليس في وجود التقنية، بل في بنية المعرفة التي تغذيها، وفي غياب تدخل واعٍ يضبط استخدامها.
“الذكاء الاصطناعي لا يخطئ فقط… بل يختار ما هو الأكثر شيوعًا، ولو كان على حساب الهوية.
”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك