اتهمت الولايات المتحدة الصين بسرقة الذكاء الاصطناعي على “نطاق صناعي”، فيما ردت بكين بوصف هذه الاتهامات بأنها “افتراء محض”، في وقت قد تلقي فيه هذه القضية بظلالها على لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ.
وذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن الولايات المتحدة تستعد لاتخاذ إجراءات صارمة ضد ما وصفته بـ”السرقة الصناعية واسعة النطاق لحقوق الملكية الفكرية الخاصة بمختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية”.
وجاءت هذه التطورات بعد إطلاق نموذج “ديب سيك” الصيني، الذي قالت شركة أوبن إيه آي إنه دُرّب باستخدام مخرجات نماذجها.
ومنذ ذلك الحين، اتهمت شركات ذكاء اصطناعي منافسين عالميين باستخدام تقنية تُعرف بـ”التقطير”، وهي أسلوب يُستخدم لاستخلاص المعرفة من النماذج المتقدمة بهدف بناء نماذج أقل تكلفة.
وفي هذا السياق، أشارت شركة جوجل إلى أن جهات ذات دوافع تجارية، لا تقتصر على الصين، حاولت استنساخ نموذج “جيميني” عبر التفاعل معه أكثر من 100 ألف مرة لتدريب نماذج بديلة منخفضة التكلفة.
كما اتهمت شركة أنثروبيك شركات صينية مثل “ديب سيك” و”مون شوت” و”ميني ماكس” باستخدام الأسلوب ذاته لتنفيذ أكثر من 16 مليون تفاعل مع نموذج “كلود” عبر نحو 24 ألف حساب احتيالي.
وأكدت شركة أوبن إيه آي أن معظم الهجمات التي رصدتها جاءت من الصين، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً قد يساعد بكين على تسريع اللحاق بها في سباق الذكاء الاصطناعي.
وفي مذكرة اطلعت عليها فايننشال تايمز، حذر مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض، مايكل كراتسيوس، من أن جهات أجنبية، معظمها في الصين، تنفذ حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة.
وأوضح كراتسيوس أن هذه الحملات تعتمد على عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الكشف، إضافة إلى استخدام تقنيات اختراق تهدف إلى كشف معلومات محمية، مشيراً إلى أن الحكومة الأميركية تعتزم إتاحة معلومات استخباراتية للشركات لمساعدتها في مواجهة هذه الهجمات.
وحتى الآن، ترى شركات الذكاء الاصطناعي أن هذه الممارسات تنتهك شروط الاستخدام الخاصة بها، إلا أن الكونغرس قد يتحرك قريباً لتحديث القوانين بما يتيح مواجهة هذه الأنشطة بشكل أكثر فعالية.
وأكد كراتسيوس أن الولايات المتحدة تدرس اتخاذ إجراءات “لمحاسبة الجهات الأجنبية المتورطة في حملات التقطير واسعة النطاق”.
وفي سياق متصل، أوصت لجنة مختارة في مجلس النواب الأميركي المعنية بالصين بأن يوجه الكونغرس كلاً من مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة ووزارة العدل إلى اعتبار استخراج النماذج شكلاً من أشكال التجسس الصناعي، وفرض عقوبات رادعة لمنع ما وصفته بسرقة الابتكار الأميركي.
كما دعت اللجنة وزارة الخارجية إلى تقييم ما إذا كانت هذه الهجمات تنتهك قوانين مثل قانون التجسس الاقتصادي وقانون الاحتيال وإساءة استخدام الحاسوب، إضافة إلى ضرورة تعريف “التقطير العدائي” وتصنيفه رسمياً كتقنية خاضعة للرقابة، ما يسهل فرض قيود على الوصول غير المشروع للنماذج.
وفي حال تطبيق هذه الإجراءات، قد تتمكن الولايات المتحدة من ملاحقة الجهات المتورطة وفرض غرامات مالية كبيرة، وهو ما قد يردع الشركات الصينية عن اعتبار هذه الانتهاكات “تكلفة مقبولة لممارسة الأعمال”، بحسب تقرير اللجنة.
في المقابل، رفضت الصين هذه الاتهامات بشكل قاطع، حيث قال ليو بينغيو، المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن، إن اتهامات البيت الأبيض “افتراءات محضة”.
وأضاف أن الصين ملتزمة دائماً بتعزيز التقدم العلمي والتكنولوجي من خلال التعاون والمنافسة الصحية، وتولي أهمية كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت يسبق اجتماعاً مرتقباً بين ترامب وشي جين بينغ، حيث وصف ترامب اللقاء بأنه سيكون “مميزاً” وأنه سيحقق الكثير من النتائج.
إلا أن محللاً أشار لصحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” إلى أن الحرب في إيران قد أضعفت موقف ترامب التفاوضي في وقت يسعى فيه الطرفان إلى تهدئة التوترات التجارية.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان ترامب سيتبنى موقف شركات الذكاء الاصطناعي التي تطالب بفرض قيود على وصول الصين إلى نماذجها ومعاقبتها على هذه الممارسات، خاصة أنه سبق أن وُجهت له انتقادات لتقديم تنازلات لبكين في قضايا تتعلق بضوابط التصدير، اعتبرها خبراء تهديداً للأمن القومي والاقتصاد الأميركي.
ويرى بعض الخبراء أن مواجهة ما يُوصف بـ”التجسس الصناعي” قد تتطلب التراجع عن بعض تلك التنازلات، مثل السماح ببيع رقائق شركة إنفيديا إلى الصين مقابل حصول الولايات المتحدة على نسبة 25% من العائدات، وهي صفقة اعتبرها مختصون غير منطقية وقد تفتح المجال أمام الصين للوصول إلى أكثر التقنيات تقدماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك