شهد النصف الأول من القرن التاسع عشر حركة استكشاف موسعة للآثار المصرية القديمة، غلب عليها الرغبة في السطو على آثارنا ونقلها إلى المتاحف الأوروبية.
استغل الدبلوماسيون الأجانب نفوذهم لجمع كل ما تصل إليه معاول الحفر من آثار، بغرض خدمة بلادهم تارةً، وبغرض جمع ثروات طائلة جراء الاتجار في الآثار وبيعها للراغبين في اقتنائها، سواء كانوا أشخاصاً مولعين بالآثار المصرية، أو متاحف تسعى إلى تكوين مجموعات متحفية مميزة.
برناردينو دروفيتي، القنصل العام الفرنسي في مصر، استغل رغبة محمد علي باشا في التقرب من فرنسا، وحصل منه على امتياز بالحفر في شتى أنحاء البلاد شمالاً وجنوباً.
نجح «دروفيتي» في اكتشاف آلاف القطع الأثرية الثمينة، نقل معظمها إلى متاحف فرنسا.
وبطبيعة الحال كان الرجل لا يملك أي معرفة علمية ذات بال بعلم المصريات، ولذا لم يسترعِ انتباهه سوى كل ما يلمع من كنوز الذهب والأحجار الكريمة.
لذلك لم يهتم كثيراً ببردية متهالكة اقتناها من أحد البسطاء في البر الغربي بالأقصر، وقرر على الفور أن يبيعها لملك سردينيا المولع بجمع كل نادر وطريف من فرائد التحف المصرية.
استقر المقام بالبردية العتيقة في متحف تورين للآثار المصرية بإيطاليا، وصارت تُعرف ببردية تورين، وهو مسمى تشترك فيه مع عدد آخر من البرديات وإن اختلف موضوع كل منها.
مع توسع الاهتمام بالبرديات المصرية، خضعت بردية تورين لدراسة مفصلة، وتبين أنها تعود إلى عصر الملك رعمسيس الرابع.
رسمها آمون ناخت بن إيبي، وهو كاتب من قرية دير المدينة، القرية التي ضمت نخبة العمال والحرفيين، الذين شيّدوا وزيّنوا مقابر ملوك عصر الدولة الحديثة في وادي الملوك.
رُسمت البردية نحو عام 1150 قبل الميلاد، وأُعدت لبعثة استخراج أرسلها الفرعون إلى وادي الحمامات في الصحراء الشرقية بين الأقصر والبحر الأحمر.
الغرض الرسمي كان الحصول على كتل من حجر الشيست - الحجر الرمادي الأخضر الثمين الذي كان تُنحت منه التماثيل الملكية.
ضمّت البعثة 8٫362 رجلاً، وهو رقم مسجّل في البردية نفسها، وهو الأضخم في تاريخ التحجير المصري الموثّق.
تغطي الخريطة نحو 15 كيلومتراً من الوادي، أعلاها مُوجَّه نحو الجنوب، والنيل على اليمين، والبحر الأحمر على اليسار.
تُظهر التلال المحيطة والأودية الفرعية ومنجم الذهب وتجمع عمال التعدين في بئر أم الفواخير، وطرقاً تؤدي إلى ميناء القصير ومنه إلى أرض بلاد بونت.
ثبت بالبحث والتدقيق أن هذه البردية هي أقدم خريطة جيولوجية معروفة في تاريخ البشرية.
لم يكتفِ آمون ناخت برسم التلال والأودية، بل لوّن الجبال بألوان تُطابق ألوان الصخور الحقيقية على الأرض: الأسود للصخور الرسوبية الداكنة، والوردي لجرانيت الفواخير والصخور النارية، والنقاط البنية والخضراء والبيضاء لأنواع الحصى المختلفة في قاع الوادي.
وثمة تعليق مكتوب يقول «الجبال التي يوجد فيها الذهب» - أشبه بمفتاح الخريطة الذي نعرفه في الخرائط الحديثة.
حين درس الجيولوجي الأثري الأمريكي جيمس هارل هذه البردية عام 1989، أخذ نسخة منها إلى مصر وسار 16 كيلومتراً في وادي الحمامات تحت شمس الصحراء.
وهناك اكتشف أن ألوان الصخور التي رسمها كاتب مصري قبل ثلاثة آلاف عام لا تزال مرئية بنفس الألوان على الأرض.
كان هارل أول من يؤكد رسمياً أن الخريطة تصوّر وادي الحمامات بدقة مذهلة.
والخريطة الجيولوجية التالية في تاريخ العلم لم تظهر إلا في فرنسا في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي - أي بعد نحو 2900 عام.
على ظهر البردية ذاتها، كتب آمون ناخت أكثر من اثني عشر نصاً إدارياً، أبرزها رسالة موجهة مباشرةً إلى رعمسيس الرابع تطلب تعيين مسئول لأداء طقوس دينية لتمثال ملكي، ونص آخر يصف زيارة الكاهن الأكبر لآمون-رع إلى قرية دير المدينة.
هذه النصوص نافذة نادرة على الحياة الإدارية اليومية في مصر القديمة.
يصفها الباحثون اليوم بأنها أقدم نظام معلومات جغرافية معروف في التاريخ، لأنها جمعت التوثيق الطبوغرافي والجيولوجي والنصوص التفسيرية في وثيقة واحدة متكاملة - وهو ما لم تفعله الحضارات الأخرى بهذا المستوى من الدقة قبل ثلاثة آلاف عام.
وتُضاف إلى كل ذلك مفاجأة طريفة: يرى خبراء فن الأوريجامي أنها تمثل أقدم مثال معروف على طي الورق، استناداً إلى طيّات عمودية لا تزال مرئية على سطحها -كأن آمون ناخت طواها في جيبه قبل أن يمشي نحو الصحراء، دون أن يعلم أن ما خطّته يداه سيظل يُدهش الناس بعد ثلاثة آلاف عام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك