سيبقى عيد تحرير سيناء في الخامس والعشرين من أبريل ليس مجرد حدث وطني عابر، وإنما هو رمز لكثير من المعاني النبيلة التي ارتبطت بالتاريخ المصري المعاصر، ومناسبة ملهمة لكل من يريد فهم إرادة الشعب المصري، إذ لم تكن لحظة رفع العلم المصري على النقطة الأخيرة من سيناء في الخامس والعشرين من أبريل 1982، بعد أن غادرها آخر جندي إسرائيلي، سوى تتويج لمشوار طويل من الكفاح من أجل استعادة الأرض، تعددت فيه السبل التي سلكتها مصر، واضعة أمامها هدفاً واحداً وهو استعادة الأرض التي اغتصبتها إسرائيل غدراً في حرب يونيو 1967، فقد بدأت مصر رحلتها نحو تلك اللحظة حين أخذت زمام المبادرة في حرب استنزاف ضد العدو، بعد أيام من الهزيمة في يونيو، كإعلان صريح من جانب الجيش المصري لرفض واقع الاحتلال، والتصميم على المقاومة، ثم كانت حرب أكتوبر المجيدة 1973، حين خاضت القوات المسلحة المصرية واحدة من أشرف معاركها، وحققت انتصاراً باهراً على العدو المتغطرس، تلاحمت فيه إرادة الأمة المصرية جيشاً وشعباً حتى تحقق النصر، الذي كسر أنف العدو وأجبره على الجلوس على طاولة المفاوضات.
وبعد أن استطاعت مصر بإرادتها العسكرية تحريك حالة اللا سلم واللا حرب، التي كانت قائمة حتى ظهر السادس من أكتوبر 1973، قررت القيادة السياسية ومن موقع القوة إفساح المجال لمساعي السلام، في طريق شاق هو الآخر من أجل استكمال تحرير الأرض، وهو ما تحقق بالفعل في الخامس والعشرين من أبريل 1982، وحتى بضعة الأمتار التي كانت إسرائيل تريد الاحتفاظ بها في طابا تمسكت مصر باسترجاعها عبر التحكيم في معركة دبلوماسية وقانونية مبهرة، لم تقل صعوبة عن كل الجولات السابقة مع طرف عنيد لا يزال يشعر بالندم والحسرة على كل شبر أعاده إلى مصر من أرض سيناء.
وهناك معنى مهم آخر يكمن خلف هذه المناسبة، وهو أن مصر لم تفعل مثل غيرها، بقبولها احتلال أرضها لعشرات السنين، ووقوفها موقف المتفرج حيال جندي محتل ينعم بالراحة وينهب خيراتها ويستنزف مقدراتها، وإنما تمتعت بالنفس الطويل والقدرة على التحمل، واستنهاض الهمم، وشحذ كل الطاقات الخاملة أو الكامنة داخل كل مصري، كل في مجاله، وما زلنا حتى اليوم نسمع ونحكي عن جنود مجهولين من بين أبناء هذا الوطن، كان لهم دورهم الخفي في هذا المشوار الطويل، وصدق الرئيس الراحل أنور السادات بطل الحرب والسلام حين قال في زهو انتصار جيش مصر العظيم في أكتوبر 1973 قولته الشهيرة: «نعم سوف يجيء يوم نجلس فيه لنقص ونروي ماذا فعل كل منا في موقعه، وكيف حمل كل منا أمانته وأدى دوره، كيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة في فترة حالكة ساد فيها الظلام ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق حتى نستطيع أن نعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء».
لقد كانت استعادة مصر لأرضها المغتصبة بالحرب والسلام إيذاناً لامتلاكنا كامل مقدراتنا وإعادة توجيه هذه المقدرات لبناء دولتنا الحديثة، فيما يمكن أن نسميه «اقتصاديات السلام» دون أن تغفل القيادة المصرية الإبقاء على القوات المسلحة في كامل جاهزيتها، من حيث التدريب والعتاد واليقظة القتالية، حماية لأمننا القومي وحدودنا الجغرافية، وما يحدث اليوم على أرض سيناء المحررة من نهضة عمرانية وتنموية سوى استثمار للحظة رفع العلم المصري على كل أرضنا في الخامس والعشرين من أبريل 1982.
ثم دعونا نتأمل -جيوسياسياً- ماذا لو لم تأتِ لحظة تحرير الأرض في أبريل 1982 وبقي العدو بجنوده على الضفة الشرقية للقناة، وحدث ما يحدث الآن من مواجهات إقليمية في الخليج ولبنان وغزة وسوريا؟ هل كانت مصر سوف تملك رفاهية البقاء آمنة داخل حدودها أم أنه كان من الممكن أن تجد نفسها في أتون هذه المواجهات، تدفع أثماناً باهظة فوق تلك التي دفعتها على مدى عمر الصراعات المتجددة دائماً في هذه المنطقة؟ وهل كانت تستطيع أن تقوم بدورها الداعم لأشقائها العرب في الخليج رافضة أي مساس بسيادة تلك الدول وأي تهديد تتعرض له؟ ثم هل كانت مصر تملك -دبلوماسياً- مرونة التحرك كعنصر ملطف وفاعل، ووسيط مقبول من جميع الأطراف من أجل البحث عن أطر وحلول للخروج من أزمة تلك المواجهات؟ والأمر لافت أن من كانوا يسعون حتى وقت قريب لاستبعاد مصر من أي معادلة سياسية في المنطقة هم الذين يطلبون الآن حضورها ويلحون عليه في ملفات بالغة الحساسية والتعقيد.
إن رفع العلم المصري على أرض سيناء في الخامس والعشرين من أبريل 1982 كان بحق لحظة فاصلة بين مرحلتين، مرحلة التضحية والبذل، ومرحلة البناء وجني الثمار، فكل التحية لهذه الأمة العظيمة التي تعرف جيداً كيف تتجاوز محنتها، وتصنع من العقبات والعراقيل التي توضع في طريقها سلماً ترتقي به فوق الجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك