في الجغرافيا المصرية لا تبدو سيناء مجرد قطعة من الأرض، بل تظهر كقصة ممتدة عبر الزمن، كأنها بوابة كتب عليها قدر مصر أن تختبر منها مرارا.
منذ أقدم العصور كانت هذه البقعة التي تصل آسيا بإفريقيا ممرا للجيوش، وطريقا للغزاة، وساحة يتكرر فوقها السؤال ذاته، هل تبقى مصر صامدة عند حدودها الشرقية؟ من الهكسوس الذين تسللوا عبرها، إلى الحملات الآشورية والفارسية، ثم جيوش الإسكندر والرومان، وصولا إلى الحروب الحديثة، ظلت سيناء مسرحا مفتوحا لصراع الإرادات، ومقياسا لقوة الدولة المصرية وصلابتها.
هذه الأرض التي شهدت عبور الغزاة، كانت مسرحا لعبور معاكس، عبور الدفاع والاسترداد.
عبور قناة السويس المانع المائي الكبير وعبور وتدمير خط بارليف المينع الذي قيل إنه يحتاج إلى قنبلة ذرية لتدميره، دمره المقاتل المصري البسيط بإيمانه وصلابته.
لم تكن سيناء ممر للغزاة فحسب، بل كانت أيضا خط الدفاع الأول، حيث تختبر قدرة المصريين على تحويل الجغرافيا من نقطة ضعف إلى حصن مقاومة.
في العصر الحديث، حين جاءت لحظة الصدام مع إسرائيل في حرب عام 1967، بدا كأن التاريخ يعيد نفسه بصورة أكثر قسوة.
خسرت مصر سيناء، وتعرضت لصدمة عميقة لم تكن عسكرية فقط، بل نفسية أيضا، إذ بدا أن التفوق الإسرائيلي فرض واقعا جديدا في المنطقة.
غير أن ما بدا في ظاهره هزيمة نهائية، كان في جوهره بداية لتحول استراتيجي عميق.
جاءت حرب الاستنزاف لتكسر صورة الجيش الذي لا يقهر، ولتعيد صياغة المعادلة تدريجيا.
لم تكن هذه الحرب مجرد اشتباكات متقطعة، بل كانت عملية استنزاف ممنهجة للإرادة الإسرائيلية، وضغطا مستمرا يعيد بناء الثقة لدى المصريين.
على ضفاف القناة، لم تكن المدافع فقط التي تتكلم، بل كانت الرسالة تتشكل، أن الزمن يمكن أن يكون سلاحا، وأن الإرادة حين تصبر تغير موازين القوى.
حين جاءت لحظة العبور في حرب أكتوبر 1973، لم تكن عملية عسكرية ناجحة فحسب، بل كانت لحظة إعادة تعريف للذات.
استطاع الجيش المصري أن يعبر قناة السويس، ويحطم خط بارليف، ويثبت أن ما فقد يمكن استعادته.
كانت تلك اللحظة بمثابة كسر للحاجز النفسي قبل أن تكون كسرا للتحصينات العسكرية.
لم يعد الصراع كما كان، دخل مرحلة جديدة، حيث أصبح التفاوض ممكنا، لا من موقع الضعف، بل من موقع الندية.
جاءت معاهدة السلام كامتداد لمسار بدأ في الميدان واستكمل على طاولة التفاوض.
لم يكن السلام تنازلا، بل وسيلة لاستعادة الأرض كاملة وفق حسابات دقيقة تجمع بين السياسة والاستراتيجية.
بحلول عام 1982، عادت سيناء إلى السيادة المصرية، لتطوى صفحة من أطول صفحات الصراع، وتفتح صفحة أخرى عنوانها تثبيت السلام واستثمار الأرض التي دفعت ثمنها دماء كثيرة.
تبقى سيناء في الوجدان المصري أكثر من مجرد مساحة تمثل نحو ستة في المئة من أرض الوطن.
إنها رمز لمعنى أعمق، معنى أن الأرض لا تقاس بمساحتها فقط، بل بما تحمله من تاريخ وتضحيات.
وهي أيضا شاهد على أن مصر، رغم ما مرت به من غزوات وانكسارات، ظلت قادرة على استعادة توازنها، وعلى تحويل لحظات الضعف إلى مقدمات لقوة جديدة.
في كل عام حين يأتي الخامس والعشرون من أبريل، لا يكون الاحتفال مجرد ذكرى تاريخية، بل استعادة لمعنى طويل من الصمود.
إنه تذكير بأن سيناء لم تكن يوما مجرد ساحة حرب، بل كانت دائما ساحة إثبات، حيث يلتقي التاريخ بالإرادة، وحيث تثبت مصر، مرة بعد مرة، أنها قادرة على حماية حدودها واستعادة حقها، مهما طال الطريق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك