المواجهة الصادمة التي جرت في قاعة المحكمة العليا قبل أيام، والتي أبرزت عمق الانقسام الداخلي حتى بين عائلات الضحايا، تُعدّ بمثابة جرس إنذار صارخ للمجتمع الإسرائيلي.
بعد عامين ونصف من الصراعات الداخلية، وقبل حملة انتخابية مضطربة ومصيرية، حان الوقت لتسوية وطنية بشأن قضية التحقيق في مجزرة 7 أكتوبر.
بإمكان قادة إسرائيل، من الائتلاف والمعارضة، الآن إنهاء الخلاف الذي قد يُدمّرنا جميعًا بالاتفاق.
يُؤيّد الرأي العام الدعوة إلى تحقيق جوهري ومهني ومستقل يُقلّل من خطر وقوع كارثة مماثلة في المستقبل.
لا ينقسم المواطنون الإسرائيليون حول ضرورة إجراء تحقيق نزيه، بل حول هوية المحققين.
يتفق الرأي العام على رغبته في ضمان عدم إسناد سلطة التحقيق إلى جهات ذات مصالح، قد تُسيء استخدامها على حساب كشف الحقيقة.
وهنا يكمن الانقسام: فمنهم من يخشى محاباة المحققين لمن عيّنوهم.
ومن جهة أخرى، يخشى من أن يُرجّح المحققون الذين يُعيّنهم رئيس المحكمة العليا الكفة ضد الحكومة، في ظل صراعها المستمر مع القضاء منذ سنوات.
لم تُقرّبنا سنوات من الخلافات من أرضية مشتركة يُمكن للطرفين التوفيق بينها، بل زادت من حدة الخلافات.
يسعى البعض، عبر أغلبية برلمانية، إلى تشكيل لجنة خاصة من السياسيين تُكمّم أفواه بعضهم بعضًا؛ بينما يلتمس آخرون من المحكمة العليا إصدار حكم متحيز لا يُسهم في تعزيز ثقة الجمهور في العملية ونتائجها.
تسبب طول فترة النقاشات غير المثمرة بألمٍ كبير، ولكن على الأقل نتج عنها نتيجة إيجابية واحدة: بات من الواضح الآن أن الكنيست الجديد، الذي سيُعرب عن ثقته بالحكومة المقبلة، سيُنتخب بمعزل عن نتائج التحقيقلقد تسبب طول فترة النقاشات غير المثمرة بألمٍ كبير، ولكن على الأقل نتج عنها نتيجة إيجابية واحدة: بات من الواضح الآن أن الكنيست الجديد، الذي سيُعرب عن ثقته بالحكومة المقبلة، سيُنتخب بمعزل عن نتائج التحقيق، حتى وإن بدأ غدًا صباحًا.
وحده الشعب هو من يُقرر مصير الحكومة، وسيُستكمل التحقيق في المجزرة خلال سنوات ولن يؤثر على نتائج الانتخابات القادمة.
لقد زال الخوف المشروع لدى الحكومة ومعارضيها من أن تشكيل اللجنة سيُملي نتائج التحقيق، وأن هذه النتائج ستُملي مستقبل النظام السياسي.
الآن يمكننا العودة إلى المبادرة التي حاول رئيس الدولة الترويج لها سابقًا، إلى أن قضى عليها الشك المتبادل.
نصّ اقتراح الرئيس على أن تُكلّف الحكومة رئيس المحكمة العليا عميت ونائبة الرئيس سولبرغ بصياغة اقتراح متفق عليه لتشكيل اللجنة.
لن يترأساها، بل سيقترحان معًا رئيسًا مناسبًا ومقبولًا، سبق له العمل قاضيًا في المحكمة العليا أو قاضيًا في محكمة مركزية، وفقًا لما يقتضيه القانون؛ وعضوين آخرين يتمتعان بنزاهة واسعة ولم يُبديا موقفًا علنيًا في النزاعات التي مزّقتنا منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر.
هناك عدد لا بأس به من الإسرائيليين ذوي الخبرة والاحترام، واختيارهم سيعزز ثقة الجمهور في الاستنتاجات والتوصيات التي ستنشرها اللجنة عند صدورها.
كما تستحق عائلات الضحايا وعائلات المختطفين أن تتوقف هذه القضية المهمة عن تعذيبهم.
الحكومة مخوّلة قانونًا بتحديد القضية التي ستخضع للتحقيق، ومن المناسب أن تُمارس هذه الصلاحية أيضاً بالتشاور مع رئيس المحكمة العليا ونائبه.
ينبغي إضافة بنود أخرى إلى هذه الفكرة: حتى موعد الانتخابات، ستعمل اللجنة على جمع كافة المواد اللازمة لمداولاتها.
ولن تبدأ عملية استدعاء الشهود للإدلاء بشهادتهم أمام اللجنة إلا بعد أداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية.
يمكن للممثلين المفوضين لقادة الائتلاف وقادة المعارضة الاجتماع في مقر إقامة الرئيس وإصدار وثيقة اتفاقات بهذا الشأن، أو بأي صيغة يتم الاتفاق عليها.
إن تأجيل البت في هذه المسألة إلى ما بعد الانتخابات، كما أشارت إليه الجلسة الأخيرة في المحكمة العليا، لن يؤدي إلا إلى استمرار هذا النزاع المؤلم لسنوات قادمة.
إذا استعادت الحكومة ثقة الشعب، فستحصل على الدعم اللازم لتشكيل لجنة في تل أبيب، وسيرفض جزء كبير من الجمهور استنتاجاتها رفضًا قاطعًا.
أما إذا شكلت المعارضة الحالية الحكومة، فسوف ينتقد باقي الشعب لجنة التحقيق التي ستشكلها، وسيجد صعوبة في تقبّل نتائجها.
لا شك أن هناك العديد من الخلافات الحقيقية التي ستكون محور الانتخابات المقبلة، والتي لا يملك القرار فيها إلا الناخب.
ويمكن الآن حل مسألة تشكيل لجنة التحقيق بحسن النية والمنطق، وإزالتها نهائياً من جدول الأعمال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك