لندن ـ «القدس العربي»: في فيلم «الأزرق الكامل» Perfect Blue، لا يقدّم المخرج الياباني ساتوشي كون مجرد حكاية عن التحول من نجومية البوب إلى التمثيل، بل يبني متاهة نفسية متكاملة، تتآكل فيها الحدود بين الذات والصورة، بين الجسد ونسخته المُتخيلة، وبين الواقع وما يُعاد إنتاجه كعرض.
بعد ما يقارب ثلاثة عقود على صدوره، لا يزال الفيلم يبدو كأنه يسبق زمنه، ليس فقط من حيث الشكل، بل من حيث حدسه الحاد بشأن علاقة الإنسان بصورته العامة، وهي علاقة أصبحت اليوم أكثر تعقيداً وربما أكثر قسوة.
تدور القصة حول ميما، مغنية في فرقة «آيدول» يابانية تقرر ترك الغناء والانتقال إلى التمثيل.
هذا القرار، الذي يبدو في ظاهره مهنياً، يتحول سريعاً إلى نقطة انكسار.
ما يثير اهتمام ساتوشي كون ليس التحول ذاته، بل الثمن النفسي الذي تدفعه ميما حين تبدأ صورتها العامة في الانفصال عنها، ثم في التمرد عليها.
منذ اللحظة التي توافق فيها على أداء مشهد تمثيلي جريء جنسياً، يبدأ الفيلم في تقويض يقيننا بما نراه: هل ما نشاهده هو ميما الحقيقية، أم ميما الممثلة، أم ميما كما يريدها الجمهور؟وربما من المهم هنا التوقف عند طبيعة الفيلم نفسه بوصفه عملاً من نوع «الأنمي»، أي الرسوم المتحركة اليابانية، وهي مدرسة فنية وسردية تختلف جذرياً عن التصور الغربي التقليدي للرسوم المتحركة بوصفها موجّهة للأطفال.
الأنمي، كما تطوّر في اليابان منذ النصف الثاني من القرن العشرين، يشمل طيفاً واسعاً من الأعمال الموجهة للبالغين، ويتناول موضوعات نفسية وفلسفية معقدة، مستخدماً أدوات بصرية تسمح بمرونة أكبر في التعبير عن الحالات الذهنية واللاواقعية.
في هذا السياق، لا يبدو «الأزرق الكامل» استثناءً، بل يُعدّ أحد أكثر الأمثلة راديكالية على ما يمكن أن يقدّمه هذا الشكل الفني: فيلم يستخدم الرسوم المتحركة لا للهروب من الواقع، بل للتوغّل فيه، ولتشريح أعماق النفس بطريقة قد تكون أكثر قسوة مما تسمح به السينما الحيّة.
اختيار كون للأنمي لم يكن خياراً شكلياً، بل ضرورة جمالية، لأن هذا العالم المتشظي، القائم على التكرار والانزلاق بين المستويات، يكاد يكون غير قابل للتحقق بالوسائط التقليدية من دون أن يفقد شيئاً من حدّته.
أسلوب كون الإخراجي يقوم على القطع الحاد، على الانتقال المفاجئ بين مشاهد تبدو للوهلة الأولى متصلة، لكنها في الحقيقة تنتمي إلى مستويات مختلفة من الواقع.
لا توجد إشارات واضحة ترشد المشاهد؛ بل يُترك ليعيد تركيب السرد بنفسه، أن يكتشف تدريجياً أن ما ظنه واقعاً قد يكون مجرد مشهد تمثيلي، أو حلماً، أو هلوسة.
هذه الاستراتيجية لا تهدف إلى الإرباك بقدر ما تهدف إلى إشراك المشاهد في التجربة الذهنية للشخصية: نحن لا نراقب انهيار ميما، بل نعيشه من داخلها.
اللافت أن «الأزرق الكامل» يستخدم وسائط داخل الوسيط، فنحن نشهد فيه برنامجاً تلفزيونياً، وموقعاً إلكترونياً، ويوميات رقمية، ليطرح سؤالاً مبكراً جداً عن هوية الفرد في عصر التمثيل المستمر.
«غرفة ميما»، وهو الموقع الذي يدوّن تفاصيل حياتها كما لو كانت هي من كتبها، يبدو اليوم نبوءة صريحة بعالم وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُختزل الذات في سردية مصقولة، وتصبح النسخة الافتراضية أكثر حقيقة من الأصل.
هنا، لا يعود الخطر في أن يفقد الإنسان خصوصيته، بل في أن يفقد ملكيته لقصته.
شخصية ميما تُبنى تدريجياً ككائن هشّ، لا لأن لديها ضعفاً جوهرياً، بل لأن محيطها المكون من المنتجين، والمعجبين، وحتى مديرة أعمالها، يتعامل معها كصورة قابلة للتشكيل.
هذا ما يجعل الانهيار النفسي الذي تعيشه مقنعاً ومؤلماً في آن.
هي لا تنهار لأنها لا تستطيع التكيف، بل لأنها تُجبر على التكيف مع توقعات متناقضة: أن تكون بريئة ومثيرة في الوقت ذاته، أن تكون حقيقية ومصطنعة في آن واحد.
هذا التناقض هو ما يخلق الانقسام الداخلي، وهو ما يمنح الفيلم قوته.
العنف في الفيلم ليس مجرد عنصر تشويقي، بل امتداد منطقي لهذا الانقسام.
الجرائم التي تقع لا تُقدَّم كأحداث منفصلة، بل كتشظيات لهوية مكسورة.
القاتل، أو ما يبدو كقاتل، ليس بالضرورة شخصية خارجية بقدر ما هو تجسيد للرغبة في تثبيت صورة نقية بريئة لميما، تلك الصورة التي يرفض بعض المعجبين التخلي عنها.
في هذا المعنى، يصبح العنف دفاعاً مرضياً عن وهم.
بصرياً، يعتمد المخرج على تكرار اللقطات والمرايا والانعكاسات، كأن الكاميرا نفسها تبحث عن النسخة الأصلية فلا تجدها.
الشقق المتشابهة، الممرات الضيقة، الإضاءة الباردة كلها عناصر تعزز الإحساس بالاختناق.
حتى لحظات الهدوء الظاهري تحمل توتراً كامناً، كأن شيئاً ما على وشك الانكشاف.
لا يوجد ملاذ آمن في هذا العالم؛ كل مساحة يمكن أن تتحول إلى مسرح.
واحدة من أكثر نقاط قوة الفيلم هي رفضه تقديم إجابات نهائية.
النهاية، رغم ما تبدو عليه من حسم، تترك مساحة للشك: هل استعادت ميما ذاتها فعلاً، أم أنها تبنّت نسخة جديدة أكثر قدرة على التعايش؟عبارة «أنا الحقيقية» التي تقولها في النهاية ليست تأكيداً بقدر ما هي إعلان هشّ، محاولة لإقناع الذات قبل الآخرين.
هنا، يذكّرنا الفيلم بأن الهوية ليست معطى ثابتاً، بل عملية مستمرة من التفاوض.
بعد سنوات طويلة من صدوره، يمكن قراءة «الأزرق الكامل» كفيلم عن زمننا بامتياز.
عالم المؤثرين، الضغط المستمر للظهور، تحويل الحياة اليومية إلى محتوى كلها عناصر كان كون يلمّح إليها قبل أن تصبح واقعاً يومياً.
لكن ما يمنح الفيلم استمراريته ليس نبوءته فحسب، بل صدقه في تصوير الهشاشة الإنسانية حين تُعرَض على الملأ.
«الأزرق الكامل» ليس فيلماً سهلاً، ولا يحاول أن يكون كذلك.
هو تجربة تتطلب يقظة، وربما استعداداً للضياع المؤقت.
لكنه، في المقابل، يمنح شيئاً نادراً: رؤية حادة لكيف يمكن للصورة أن تبتلع صاحبها، وكيف يمكن للإنسان أن يضيع داخل النسخة التي صُنعت له.
وفي زمنٍ تتكاثر فيه النسخ، يصبح هذا التحذير أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك