على اختلاف دوافع وطبيعة تفاصيل خطط إرباك استقرار دول وشن حروب على أخرى يظهر -بعيداً عن المقارنات- العامل المشترك المتمثل في إنشاء قوة عسكرية توازي الجيوش الوطنية.
بل إن الأمر قد يتعدى إلى حل هذه الجيوش، كما حدث حين أصدر عام 2003 الحاكم المدني للعراق بريمر قراراً بحل الجيش العراقي ووزارة الدفاع، ما تسبب في انفلات أمني كبير وتغذيه أعمال العنف التي تلت الغزو الأمريكي للعراق.
في لبنان جاء إنشاء حزب الله مدعوماً من إيران إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 تحديداً في ظل الفراغ السياسي والأمني في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية.
الحرس الثوري الإيراني لعب دوراً كبيراً في تسليح وهيكلة الحزب، الذي أصبح لاحقاً طرفاً رئيسياً في المعادلة اللبنانية السياسية والأمنية.
في اليمن تأسست أوائل التسعينات حركة الحوثيين كفكرة تربوية إصلاحية لتتحول بعد أعوام إلى جماعة بعد مقتل مؤسسها حسين الحوثي.
القصور في فهم الفروق الشاسعة بين عقيدة وطنية راسخة على قيم الشرف والتضحية، وبين جماعات مسلحة أو ميليشيات تحركها أجندات خارجية، للأسف ألقى العديد من الدول داخل دوامة التخبط والفوضى التي ما زالت تعاني منهما حتى الآن.
العراق يواجه إشكالية فراغ سياسي تتمثل في انتخاب رئيس وزراء، نتيجة رفض صارم من الرئيس الأمريكي ترامب أي وجود في المشهد العراقي السياسي للأحزاب والميليشيات الموالية لإيران.
حتى وصل الأمر إلى تعليق شحنات الدولار من عائدات بيع النفط العراقي من حسابات البنك الفيدرالي في نيويورك، بسبب عجز سيطرة الحكومة العراقية على الفصائل العراقية المسلحة.
بالإضافة إلى تجميد برامج التعاون الأمني مع الحكومة العراقية كوسيلة للضغط عليها من أجل العمل على تفكيك الفصائل المسلحة.
في لبنان تصدرت المزاعم الصهيونية كذريعة للاعتداءات الوحشية التي نفذتها الأسابيع الماضية هي القضاء على قادة حزب الله ومواقع سلاحه.
رغم أن القصف امتد ليطال أهدافاً مدنية راح ضحيتها مئات الأبرياء، ما دفع رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى اتخاذ خطوات تنقل لبنان من منطق إدارة الحرب إلى منطق صناعة القرار.
لأول مرة يشهد الشعب خطوات جادة لفك ارتباط سياسي وأمني كان مقسماً بين طرفين كل منهما كان يتحدث باسم لبنان.
تراكمات هذا المشهد غير المنضبط أو كما وصفه الرئيس اللبناني بـ«الشاذ» أنهكت لبنان عبر عقود في صراعات لم يكن طرفاً فيها، ما استدعى خطوات شجاعة وحاسمة لمراجعة ميزان القوى داخل لبنان.
صلابة وتماسك الجيش المصري تظل النموذج الوحيد الذي يكشف الفوارق الشاسعة بين مجد ونبل العقيدة الوطنية وثوابتها، وبين انسياق مجموعات مسلحة خلف أجندات لا تضع مصالح الشعوب في اعتبارها.
لعل أصدق ما ينطبق على الفوارق تعديل المقولة الشهيرة «عند الامتحان الجيوش تُكرم والميليشيات تُهان».
لم يغب عن الذاكرة موقف الجيش المصري، بقيادة آنذاك وزير الدفاع المشير عبدالفتاح السيسي، وقادة الجيش الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم من أجل إنقاذ مصر وشعبها من سُحب حرب أهلية كانت الجماعة الإرهابية تسعى لإشعالها.
بالإضافة إلى انحياز الجيش لدعم المد الشعبي الذي أطاح بعصابة لم تحمل سوى الشر للوطن.
بعدها، قدمت قوات الجيش أغلى الدماء من أجل تطهير أرض سيناء من فلول تنظيمات إرهابية استدعتها خلال عام الجماعة الإرهابية لخدمة مخططاتها.
الجيش هو جزء من النسيج المجتمعي داخل كل أسرة مصرية، تحكمه عقيدة ثابتة لا تحيد عن مبدأ حماية الأرض والشعب.
هي علاقة ترجع جذورها إلى تاريخ عريق منذ عهد مينا موحد القطرين، الذي أنهى حالة الانقسام وأسس أول دولة في مصر.
مروراً بأحمد عرابي، عبدالمنعم رياض، إبراهيم الرفاعي، ولا تنتهي لائحة المجد والكرامة.
كل التداعيات والتجارب الفاشلة التي حدثت نتيجة زرع هذه المجموعات المسلحة التي تتستر إما خلف قشور عقائدية تارة، أو كقوى مقاومة ضد إسرائيل تارة أخرى، خلقت على أرض الواقع تعارضاً بين القوى الأمنية النظامية ووجودها كميليشيا مسلحة تعمل وفق أجندة خاصة بها.
أيضاً عامل رد الفعل الشعبي الرافض لسيطرة هذه الميليشيات شهد تصاعداً نتيجة ممارسات سياسية وأمنية شكلت تحدياً صارخاً لسيادة هذه الدول.
خصوصاً أن أسلحة هذه الميليشيات عجزت عن حماية الشعوب والأوطان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك