تطفو على المشهد الليبي خلال السنوات الأخيرة حوادث متكررة لضحايا الصحراء، تتحوّل فيها الرحلات إلى مآسٍ تنتهي بفقدان الاتصال، ثمّ العثور لاحقاً على المركبات المفقودة وبداخلها ناجون أحياناً، وأحياناً أخرى جثث.
ورغم تزايد هذه الحوادث، لا تزال المتابعة الرسمية ضعيفة، إلى جانب محدودية اهتمام المنظمات الحقوقية بهذه الإشكالية.
وخلال الأيام الماضية، تابع الليبيون حادثين متزامنين، وسط مطالبات بضرورة الالتفات إلى خطورة هذه الحوادث.
فقد تناقل روّاد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو نشره نشطاء يُظهر لحظة العثور على مواطن فارق الحياة داخل سيارته قرب الحدود الجنوبية مع النيجر، بعد خمسة أيام من فقدانه في عمق الصحراء الليبية.
وفي اليوم التالي، جرى تداول مقطع آخر يوثّق العثور على سيارة قرب الحدود ذاتها، وبداخلها جثث لأشخاص تاهوا في الصحراء قبل أسابيع، وانقطع الاتصال بهم.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، تداول نشطاء مقطع فيديو يُظهر انتشال رفات شابّين من قبائل التبو في غرب مدينة تازربو، جنوب شرقي البلاد، بعد نحو ستّة أشهر من فقدانهما، عقب تحديد موقع سيارتهما، حيث أشارت المعاينة الأولية إلى أن الوفاة كانت نتيجة العطش.
وفي الشهر نفسه، أعلن جهاز الإسعاف والطوارئ بالكفرة العثور على جثث ثلاثة شبّان داخل مركبتهم في منطقة صحراوية قرب بلدة ربيانة المحاذية لمدينة تازربو، وكانوا قد فارقوا الحياة نتيجة العطش.
وفي المقابل، نشر متطوّعون أخيراً، مقطع فيديو يُظهر نجاحهم في العثور على مجموعة من الشباب بعد انقطاع الاتصال بهم منذ أيامٍ عدّة، وذلك في شرق منطقة أجخرة جنوب شرقي البلاد، عقب عمليات بحث واسعة شارك فيها متطوّعون وأهالي المنطقة.
وفي العام الماضي، برزت هذه الحوادث بشكل أكبر، ولا سيّما في مناطق الجنوب الليبي التي تتّسم بصعوبة التضاريس واتّساع المسافات وضعف شبكات الاتصال ونُدرة المارّة.
ويؤكد الخبير في مجال الصحراء مسعود يوماي لـ" العربي الجديد"، أنّ ما أعلنه النشطاء والأهالي لا يمثل سوى جزء من الحالات، فيما هناك حالات أخرى لم تُعلن، وما تزال مسجّلة ضمن المفقودين حتى اليوم.
ويلفت يوماي، وهو تاجر إبل في منطقة القطرون القريبة من الحدود الجنوبية، إلى أنّ حوادث الضياع في الصحراء" قديمة ومعروفة منذ زمن طويل"، إلا أن الجديد فيها يتمثل في دخول السيارات الصحراوية الحديثة، وثقة بعض الشباب في قدرتهم على عبور الكثبان الرملية لتقصير المسافات بين المناطق.
ويتحدّث يوماي عن أسبابٍ أخرى تدفع البعض إلى المجازفة في الرحلات الصحراوية، من بينها تهريب الوقود أو السلع والبضائع، أو مطاردة الصيد النادر، مثل الغزلان أو الطيور الجارحة ذات القيمة العالية.
وإذ يوضح يوماي أنّه يساهم في مساعدة المتطوّعين على تحديد مسالك الصحراء، يشير إلى أنّ عمليات البحث عن مفقودين تبدأ غالباً بناءً على بلاغات الأهالي، حيث يعتقد بعضهم أنّ الشخص المفقود ما يزال في رحلة قد تطول، خصوصاً مع ضعف إمكانيات الاتصال في المناطق الصحراوية.
وعند استمرار الغياب لفترة أطول، يبدأ ذوو المفقودين في عمليات البحث والاستفسار، وغالباً ما تنتهي بعض الحالات بالعثور عليهم بعد أن فارقوا الحياة نتيجة العطش.
ورغم توفر بعض الوسائل التقنية الحديثة التي يثق بها بعض المتنقلين في الصحراء، يحذّر يوماي من أنّ الاعتماد المفرط عليها قد يدفع الشباب إلى التوغل أكثر في عمق الصحراء من دون تقدير دقيق للمخاطر، لافتاً الى أنّ معرفة مواقع مصادر المياه تبقى القضية الأساسية للبقاء على قيد الحياة، سواء أثناء عمليات البحث أو في حال نفاد الوقود، وهو ما لا يستطيع الشبّان معرفته عند اعتمادهم على الوسائل الحديثة في تحديد الاتجاهات.
من جانبه، ينتقد الناشط المدني أنور الزوي الغياب الواضح للدور الحكومي في التعامل مع هذا النوع من المخاطر، سواء على مستوى الوقاية أو الاستجابة.
ويؤكد لـ" العربي الجديد" أن الحوادث المُعلنة تكون في الأغلب على يد متطوّعين أو مبادرات أهلية، ولا ريب أنّها تجري وسط إمكانيات محدودة، ما يجعلها كذلك عرضة للخطر، بسبب طبيعة الصحراء واتّساعها، ما يتطلّب جهوداً حكومية بوسائل رصد وإنقاذ حديثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك