رغم الزخم التنظيمي وتعدد الفعاليات في الدورة الأربعين من معرض تونس الدولي للكتاب، التي انطلقت السبت الماضي وتتواصل حتى الثالث من الشهر المقبل، يلاحظ وجود فجوة بين الخطاب المعلن في الندوات والتجربة الفعلية داخل أروقة المعرض.
إذ تبدو العناوين الثقافية قريبة من مستوى المعارض الدولية الكبرى، بينما تكشف التفاصيل اليومية عن تحديات جمّة تتعلق بحركة البيع والتوزيع وإقبال الجمهور.
غير أن هذه الدورة شهدت محاولات عودة لدور نشر عربية، مثل الرافدين وتكوين ومنشورات المتوسّط والدار المصريّة اللبنانية، للمشاركة في المعرض الذي لطالما وُصف بأنه لا يملك من الدّولي سوى الاسم، إذ تعزف الكثير من دور النشر العربية البارزة عن المشاركة فيه منذ سنوات، بسبب ضعف مردوديته، وضعف المقدرة الشرائية فضلاً عن صغر السوق.
أتت هذه المصافحة بعد الغياب مخيّبة لكثير منهم حتّى قبل انطلاق المعرض رسمياً، بسبب تأخّر وصول كتبهم، والإجراءات البيروقراطية المعقّدة عند إدخال البضاعة.
أما سوء التنظيم وضعف العمل الاتصالي والدعائي فهو أكثر ما ساء الناشرين العرب.
وكذلك الحال مع الناشر التونسي، إذ صرّح المسؤول التجاري في دار زينب للنشر بشير بن صالح لـ" العربي الجديد"، بأن الدار تجد نفسها مرّة أُخرى في موقع هامشي، مع اقتطاع أمتار من المساحة التي طلبتها، مُرجعاً ذلك إلى المحسوبية والتكتّلات الجهويّة، كون الدار لا تملك مقراً في العاصمة يُمكّنها من الضغط باستمرار لنيل الامتيازات.
ترجمة لنهج قائم على المركزية وتغييب مبدأ التشاركيةقبل انطلاق الدورة، نشر اتحاد الناشرين التونسيين عدة بيانات، عبّر فيها عن رفضه لجملة من الإجراءات التنظيمية التي اتبعتها إدارة المعرض، معلناً عن مقاطعته لهذه الدورة لغياب مبدأ التشاركية في تسيير هذا الحدث.
لكنّ مدير هذه الدورة محمد صالح القادري ردّ على ما جاء فيها خلال الندوة الصحافية التي انعقدت في السادس عشر من الشهر الجاري، موضحاً أنه يعتبر اتحاد الناشرين شريكاً، ومؤكّداً، في السياق نفسه، أن الأصل ألّا تتحول جمعية مهنية إلى وسيلة ضغط.
اللافت هنا أن مدير المعرض يغفل حقيقةً تاريخية، وهي أن أي تجمّع مهني أو نقابي لا ينشأ في الفراغ، بل يحمل في جوهره منطق الضغط والمناصرة لانتزاع امتيازات لصالح منتسبيه، وهذا ليس نقيصة بل هو الوظيفة الأصيلة لهذه الأجسام.
فالتجمعات التي بدت في ظاهرها ثقافية أو حرفية أو اجتماعية، سرعان ما تحوّلت إلى قوى ضغط فاعلة حين وجدت مصالح أعضائها مهدّدة.
فضلاً عن أن توجّه إدارة المعرض هو في الحقيقة ترجمة ثقافية للنهج العام للدولة، الذي بات يعتمد المركزية المفرطة في اتخاذ القرارات، مع ما يعنيه ذلك من تهميش لدور النقابات وسائر الأجسام المدنية الوسيطة.
من أبرز ملامح هذه الدورة حضور عدد من الأسماء العربية المعروفة، من بينهم الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله الذي يقدّم عمله الجديد" كلّ الأشياء الجميلة القابلة للكسر"، والروائي الجزائري سعيد خطيبي الحائز جائزة البوكر العربية عن روايته" أغالب مجرى النهر"، إلى جانب الكاتبتين المصريتين ريم البسيوني وميرنا المهدي، والروائي اليمني حبيب عبد الرب سروري، بالإضافة إلى الباحث المغربي محمد المصباحي.
ورغم هذا التنوع في الأسماء والفعاليات، لوحظ ضعف في مستوى الترويج لهؤلاء الضيوف داخل الفضاء العام للمعرض وخارجه، حيث غابت حملات التعريف أو الملصقات الترويجية التي كان من الممكن أن تسهّل وصول الجمهور إليهم.
كما تحضر إندونيسيا ضيف شرف التظاهرة التي تشارك فيها 181 دار نشر محلّية، و213 دار نشر عربية ودولية.
ويتضمن البرنامج الثقافي ندوات ومحاضرات حول الذكاء الاصطناعي وحقوق النشر والأدب والسينما، مع احتفاء خاص بمرور 900 سنة على ميلاد الفيلسوف ابن رشد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك