تمثل «الوثيقة الفكرية» لحركة ميدان الإخوانية، التي أُعلن عنها هذا العام، المحاولة الأبرز والأخطر لشرعنة «الانقلاب على الدولة الوطنية» وتحويل وسائل هدم الدولة المصرية من مجرد صراع على الحكم من فصيل فاشي متطرف إلى منهج عقائدي، وركن من أركان الدين؛ فكل الوثيقة بكل ما ورد فيها تقول: إن الحكم إلا للإخوان.
وإن هذا أمر إلهي.
لذلك فإن تلك الوثيقة ليست مجرد ورقة بحثية، بل هي «مانيفستو» راديكالي، ناطقة باسم الإخوان، يسعى تنظيمهم من خلالها إلى تفكيك مصر بمؤسساتها وحدودها، وتغيير الهوية الوطنية لشعبها، من أجل بناء دولة إخوانية على أنقاض الهوية المصرية الراسخة.
هذا ليس تخطيطاً منهم للمستقبل فقط، ولكنه إعلان تاريخي بأن هذا هو مرتجى الإخوان منذ أن نفخ الاستعمار فيهم من روحه، الآن لا خفاء ولا تقية ولا ادعاء زائف بأنهم حركة وطنية.
تنطلق هذه الوثيقة من رؤية «إخوانية» تليدة تعتبر الدولة الحديثة بمؤسساتها وتشريعاتها مجرد «أداة استعمارية» صُممت لتغريب الأمة، وهو ما يعد اعترافاً صريحاً ب«الردة الوطنية» وتكفيراً لمفهوم السيادة الذي استقر عليه الوعي الجمعي المصري عبر آلاف السنين.
فمصر وطناً وهواية وتاريخاً ليست ابنة الأمس، ولكنها الوطن الأول في التاريخ، ولم تتشكل عبر سطوة حاكم، أو عبقرية ملك، ولكنها تشكلت عبر تاريخ، مر على جغرافيا، كان يسير على أرضها أنبياء وعلماء وقادة وعظماء وأولياء وأديان وملل، مر عليها الظلم والعدل، والحق والباطل، والجهاد والقتال، هذه أرض شق النيل طريقه فيها، فكانت هبة النيل.
إن هذا الطرح، الذي يتبناه الجناح الرسمي الذي يُعبِّر عن الإخوان يهدف بوضوح إلى صيد القواعد الشبابية المحبطة عبر دغدغة مشاعرهم بمصطلحات براقة مثل «الفرد الرسالي» وكأن الفرد في تنظيمهم أصبح رسالة ربانية!
فضلاً عن عبارة «التحرر من المنظومات الجائرة»، بينما تضمر الوثيقة في طياتها مشروعاً لتفتيت الدولة الوطنية لصالح «أممية إخوانية هلامية» لا تعترف بالحدود ولا بالخصوصية الحضارية للشعوب.
وحين نقرأ هذه الوثيقة بوصفها نصاً فكرياً لا مجرد بيان حركي، يتكشف أمامنا أنها لا تُؤسِّس بقدر ما تُحرِّض، فهي تنتمي بوضوح إلى ما يُسمى «إعلان الحرب» الذي يكتفي برسم عالم مبسّط، يُختزل فيه الواقع في ثنائية حادة تشكلت في وعي مريض، بين حق مطلق وباطل محض، حيث تقف «الأمة المجاهدة» في مواجهة «نظام كافر»، يتبعه شعب أشد كفراً.
هذا الاختزال لا يؤسّسه سوى أصحاب العقول المريضة والنفوس التي أضلها الشيطان، لأن المجتمعات على عمومها، خاصة المجتمع المصري، لا يُختزل بهذا الشكل أبداً، إذ تتقاطع فيها المصالح، وتتشابك فيها الهويات، وتتداخل فيها درجات القبول والرفض، وهو ما يجعل هذا التصنيف الإخواني الثنائي هو في حقيقته أداة تعبئة نفسية وتحريض قتالي.
وإذا ما قارنّا بين هذا المشروع وبين «المشروع الوطني المصري»، سنجد صراعاً وجودياً بين منطقين؛ فبينما يرى المشروع الوطني في مصر «كياناً مركزياً» وقيمة تاريخية وقانونية تسبق كافة الأيديولوجيات، ترى وثيقة «ميدان» في مصر مجرد «ساحة صراع» أو منطلق لمشروع عابر للحدود.
هنا تبرز «القراءة المصرية للإسلام» كأقوى حائط صد فكري ضد هذا الانحراف؛ فالمصريون، بعبقريتهم الفطرية، صاغوا نموذجاً للتدين لا يعرف الخصومة مع الوطنية، بل يجعل من «حب الديار» عبادة ومن «حماية الحدود» فريضة.
ولكن وثيقة «ميدان» تحاول يائسة تصوير «الوطنية» كبديل مشوه للدين، بينما تؤكد القراءة المصرية أن الإسلام لم يأتِ ليكون خصماً للأوطان، بل ليكون روحاً تعمرها بالعدل والرحمة والاعتزاز بالانتماء للأرض التي سار عليها الأنبياء.
إن خطورة هذا الخطاب تكمن في محاولته إعادة صياغة المفاهيم السياسية لدى الشباب، عبر استبدال المنجزات المدنية والدستورية بتأويلات منغلقة لمفهوم «الشورى» و«الحاكمية»، بهدف عزل الجيل الجديد عن واقعه التاريخي ودفعه نحو «مواطنة بديلة» تدين بالولاء للتنظيم لا للدولة.
هذه الوثيقة الفكرية لحركة ميدان الإخوانية هي في حقيقتها «اعتراف رسمي» بالفشل في الاندماج داخل النسيج الوطني، ولجوء صريح لسياسة «تفكيك الوعي» كحل أخير لاستعادة النفوذ المفقود.
ولذلك، فإن المواجهة الفكرية مع هذه السموم لا تبدأ من الجدل السياسي فحسب، بل من استعادة السردية التاريخية والقانونية للدولة المصرية، والتأكيد على أن «مشروع الدولة» هو الضمانة الوحيدة لحفظ الدين والدنيا معاً، في مواجهة مشاريع «الميادين» المفتوحة التي لا تخلف وراءها سوى الفوضى والارتهان للخارج تحت ستار القداسة.
إن القوة الحقيقية للمشروع الوطني المصري تكمن في قدرته على استيعاب تطلعات شعبه دون الحاجة لاستيراد نماذج مشوهة ترى في الوطن «حفنة تراب»، فمصر في الوعي المصري هي «الأصل» الذي تتكسر عليه كل نصوص التكفير والردة الوطنية.
وعلى المستوى التاريخي، تتكئ الوثيقة على سردية رومانسية ترى في التاريخ الإسلامي نموذجاً مكتملاً للسيادة والازدهار، متجاهلة ما شهده هذا التاريخ نفسه من صراعات داخلية، وأزمات اقتصادية، وأشكال متعددة من الاستبداد، وهو ما يحوّل «النموذج المستدعَى» إلى صورة مثالية تُستخدم للتحفيز، لكنها لا تعكس الواقع التاريخي المركب.
هذه الرؤية الانتقائية للتاريخ لا تُنتج وعياً تاريخياً بقدر ما تُنتج حنيناً انتقائياً.
أما في ما يتعلق بالدولة الحديثة، فتتعامل الوثيقة معها بوصفها كياناً استعمارياً خالصاً، فُرض على المجتمعات لتفتيتها، وهو طرح يتجاهل أن الدولة المركزية كانت أيضاً نتاجاً لتطور تاريخي داخلي، فرضته الحاجة إلى إدارة مجتمعات كبيرة ومعقدة.
فاختزال مؤسسات الدولة، بما فيها من نظم توثيق وهوية مدنية في كونها أدوات قهر، يُغفل دورها في تنظيم الحقوق والواجبات، وفي بناء منظومة قانونية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.
وفي قلب هذا الطرح، يظهر بوضوح الموقف من الوطن ذاته، حيث يُعاد تقديمه باعتباره فكرة طارئة أو صنيعة استعمارية، في محاولة لفصل الإنسان عن انتمائه الطبيعي للأرض والتاريخ والمجتمع.
هذا التصور يتجاهل أن الهوية الوطنية في كثير من بلدان المنطقة، ومنها مصر، لم تكن نتاج الاستعمار بقدر ما كانت نتاج مقاومته، وأن الشعوب لم تتشبث بأوطانها بوصفها حدوداً جغرافية فحسب، بل بوصفها ذاكرة مشتركة وتجربة تاريخية ممتدة.
إنكار هذا البعد لا يؤدي إلى توسيع أفق الانتماء كما يُدّعى، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفريغ الإنسان من أي انتماء واقعي، ودفعه نحو هوية مجردة قد لا تجد لها تجسيداً عملياً في عالم معقد تحكمه الدول وموازين القوى.
في النهاية، تبدو الوثيقة أقرب إلى «بيان عسكري» وهنا تتجلى خطورتها الحقيقية، ليس فقط فيما تقوله، بل فيما تُحرِّض عليه، وفي المسافة الواسعة بين هدم الواقع القائم، وبناء بديل لا يقوم إلا على الشعارات في زمن لم تعد فيه الشعارات كافية لقيادة الدول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك