في قراءة تجمع بين البعدين القانوني والاقتصادي، أكد المحامي عبدالعزيز الزمل أن التعديلات الأخيرة على برنامج «نطاقات المطور» تمثل تحولًا تنظيميًا ملزمًا يعيد تشكيل سوق العمل، موضحًا أنها لا تُعد مجرد توجيهات إدارية، بل قواعد تنفيذية واجبة التطبيق على المنشآت الخاضعة لنظام العمل، متى انطبقت عليها شروط البرنامج من حيث النشاط والحجم وعدد العاملين.
وبين أن إلزام المنشآت يستند إلى اختصاص وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في تنظيم السوق والإشراف على تطبيق الأنظمة، مشيرًا إلى أن أثر الالتزام لا يقتصر على الغرامات، بل يمتد إلى تصنيف المنشأة ضمن نطاقات، وما يترتب عليه من تمكين أو تقييد للخدمات، ما يجعل البرنامج أداة تنظيمية مباشرة لرفع مشاركة السعوديين في القطاع الخاص.
وأوضح الزمل أن التنظيم الجديد يفرض التزامًا جوهريًا على أصحاب الأعمال يتمثل في المحافظة على نسب التوطين وفق نشاط المنشأة وحجمها، مؤكدًا أن الالتزام لا يقتصر على التوظيف العددي، بل يشمل متابعة التصنيف دوريًا، والتأكد من صحة البيانات الوظيفية، ومواءمة خطط التوظيف مع متطلبات التوطين، وتجنب الممارسات الصورية، إضافة إلى استخدام القنوات الرسمية مثل منصة «قوى».
وأشار إلى أن عدم الالتزام ينعكس بشكل أساسي في تقييد خدمات المنشأة بحسب نطاقها، ما يعزز من طبيعة البرنامج القائمة على الحوافز والقيود، إلى جانب بقاء جدول المخالفات والعقوبات لنظام العمل مرجعًا عامًا للمساءلة عند وقوع مخالفات مستقلة.
ولفت إلى أن المرحلة الجديدة من «نطاقات المطور» تمتد لثلاث سنوات، بدءًا من عام 2026، مع تطبيق تدريجي للنسب، ما يمنح المنشآت مهلة للتخطيط، دون أن يُعد ذلك إعفاءً من الالتزام، مشددًا على أهمية المتابعة السنوية واستخدام الأدوات التنظيمية لتحديث الخطط التشغيلية.
وأكد أن الامتثال الفعال يتطلب بناء أنظمة رقابية داخلية، تشمل مراجعة التصنيف بشكل دوري، وتدقيق بيانات العاملين، وتوثيق العقود والأجور، وإعداد خطط توطين مرتبطة بالاحتياجات الفعلية، محذرًا من أن سوء تطبيق متطلبات التوطين قد يقود إلى نزاعات عمالية، خاصة في حالات إنهاء العقود أو إعادة الهيكلة دون مبرر مشروع، مع التأكيد على أن الالتزام بالنسب لا يبرر الإخلال بحقوق العاملين أو تجاوز أحكام نظام العمل.
من جانبه، أكد الدكتور فيصل الفاضل أن هذه التعديلات تمثل خطوة تنظيمية متقدمة تعكس تحولًا نوعيًا في فلسفة سياسات سوق العمل في المملكة، موضحًا أنها لم تعد تستهدف رفع نسب التوطين كغاية رقمية، بل تتجه نحو تحقيق أثر اقتصادي مستدام قائم على جودة التوظيف وكفاءته.
وأشار إلى أن التعديلات تعيد صياغة العلاقة بين التنظيم وسوق العمل عبر الانتقال من «الامتثال الكمي» إلى «الأثر النوعي»، بحيث يتركز الاهتمام على نوعية الفرص الوظيفية وإسهامها في الاقتصاد، بدلًا من مجرد عددها.
وبين أن الأهداف الاقتصادية تتجاوز الإحلال الوظيفي لتشمل رفع معدلات المشاركة الاقتصادية للمواطنين، وتقليل الاعتماد على العمالة منخفضة المهارة، وتوجيه التوظيف نحو القطاعات ذات القيمة المضافة، بما يعزز الإنتاجية ويرتبط بمستهدفات التنويع الاقتصادي.
وأضاف أن أثر هذه التعديلات على معدلات البطالة سيكون إيجابيًا على المدى المتوسط، شريطة تكاملها مع سياسات تعليمية وتدريبية تعالج فجوة المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، مؤكدًا أن التشريع يعمل ضمن منظومة سياسات مترابطة، لا بمعزل عنها.
وفيما يتعلق بالقطاع الخاص، أشار إلى أن بعض المنشآت، خاصة الصغيرة والمتوسطة، قد تواجه تحديات مرحلية، مثل ارتفاع تكاليف التوظيف أو صعوبة استقطاب الكفاءات، إلا أن ذلك يمثل فرصة لإعادة هيكلة نماذج الأعمال والتحول نحو بيئات أكثر إنتاجية واستثمارًا في رأس المال البشري.
ولفت إلى أن القطاعات المعتمدة على العمالة منخفضة التكلفة، مثل التجزئة والمقاولات وبعض الأنشطة الخدمية، ستكون الأكثر تأثرًا، ما يستدعي إعادة هندسة نماذجها التشغيلية بما يتواءم مع المتطلبات الجديدة.
وأكد الفاضل أن تحقيق التوازن بين رفع نسب التوطين واستدامة الأعمال يتطلب نهجًا تنظيميًا مرنًا قائمًا على التدرج، ومنح مهَل تصحيح، وتقديم حوافز داعمة وبرامج تدريب موجهة، مشددًا على أن كفاءة التنظيم تُقاس بقدرته على تحقيق امتثال مستدام لا شكلي.
واختتم بالتأكيد على أن نجاح هذه التعديلات مرهون بتعزيز الشراكة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، واستمرار تقييم الأثر بشكل دوري، بما يضمن تحقيق الأهداف التنموية دون الإضرار باستدامة المنشآت، مؤكدًا أن التوطين، حين يُبنى على منطق الأثر، يتحول من التزام نظامي إلى أداة استراتيجية لصناعة القيمة في الاقتصاد الوطني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك