فجأة ومن دون أي مقدمات اهتزت قاعة الاحتفالات في فندق هيلتون واشنطن، سمع صوت إطلاق نار، انبطح الجميع أرضا والكل يسأل: ماذا يحصل؟ الجواب: محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
ولكن كيف لشخص أن يتجاوز كل هذه الإجراءات الأمنية لمكان موجود فيه رئيس أمريكا وليس شخصا عاديا.
هذه الغرابة ستأخذنا إلى نظرية المؤامرة والتي تتسلل إلى النفوس وأنا لا أحبها، ونظرية" الشو" الذي يعتمده ترمب، وأنا متأكد من أنه بارع فيه، غير أن ما كتبه مطلق النار كول توماس آلن كان ناريا وأصاب الهدف أكثر من طلقاته التي أعطت لترمب أكثر مما كان يرغب فيه من حفل عشاء المراسلين السنوي.
يقول آلن في الرسالة المكونة من 1052 كلمة إن استهداف مسؤولي الإدارة (ترمب) هو" واجبه الأخلاقي" وتابع" لم أعد مستعدا للسماح لشخص بيدوفيلي، بأن يلطخ يدي بجرائمه".
ويبدو أن آلن كان يشير إلى اتهامات تورط ترمب في ملفات جيفري إبستين وكيف ذكر اسمه في وثائقها مئات المرات.
ولم يفوت برنامج" ستين دقيقة" الأمريكي الشهير هذه الفرصة وسألته المقدمة عن هذه الرسالة ليرد ترمب بغضب ويخرج عن طوره ويؤكد لها أنه ليس" مغتصبا ومتحرشا بأطفال" ويهاجم المذيعة وقناة" سي بي أس" ويقول لها" عار عليكِ وعليكم، أنتم أناس فظيعون يجب ألا تقرئي هراء شخص مريض".
كما كانت السفارة في الفيلم تراقب كل أنفاس بطل القصة داخل شقته، تحول ملف إبستين إلى" عمارة" يسكنها السياسيون الأمريكيون، بينما يمتلك نتنياهو مفاتيح الغرف وكاميرات المراقبةففي عالم السياسة المظلم، لا تقتصر الأسلحة على الصواريخ والمسيرات التي ترصدها شاشات التغطية في مضيق هرمز أو لبنان، بل تمتد لتشمل" صناديق سوداء" تحوي أسرارا قادرة على إخضاع أقوى صناع القرار سواء في البيت الأبيض أو غيره.
ويبرز ملف" جيفري إبستين" " وجزيرته اللعينة، كواحد من أكثر الملفات إثارة للجدل، حيث تشير تقارير وتحليلات سياسية إلى احتمالية امتلاك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وثائق أو تسجيلات تدين شخصيات أمريكية نافذة، مما يحول هذا الملف إلى ورقة ضغط إستراتيجية تستخدم لإخضاع الإدارة الأمريكية للرؤية الإسرائيلية.
بين الواقع والسينما.
" السفارة في العمارة"هذا المشهد الواقعي يعيد للأذهان العبقرية السينمائية للفنان عادل إمام في فيلمه الشهير" السفارة في العمارة".
ويقدم الفيلم نموذجا لجهة واحدة (السفارة) قادرة على السيطرة على حياة الفرد (شريف) وإخضاعه لرغباتها عبر التلصص، وامتلاك الأسرار المحرجة والابتزاز الجنسي والسياسي.
وكما كانت السفارة في الفيلم تراقب كل أنفاس بطل القصة داخل شقته، تحول ملف إبستين إلى" عمارة" يسكنها السياسيون الأمريكيون، بينما يمتلك نتنياهو مفاتيح الغرف وكاميرات المراقبة.
ويجد" شريف" (عادل إمام) نفسه مضطرا للتعايش مع واقع لا يريده بسبب الضغوط والتهديدات؛ وهو تماما ما يظهر في السلوك السياسي لترمب الذي يجد نفسه" محاصرا" بين الضغوط الداخلية وكيفية الخروج من مستنقع الحرب والملفات الأخلاقية المسكوت عنها.
وبعد أن تحول" شريف" إلى بطل قومي لمجرد أنه رفع دعوى" حسن الجيرة" وطالب برحيل السفارة من" العمارة" هدده السفير" ديفيد كوهين" بالملفات الجنسية وأجبره على التنازل عن الدعوى وتحول فجأة إلى خائن لوطنه بغض النظر عن النهاية و" صحوة الضمير" الأخيرة.
المقارنة بين ملفات إبستين وفيلم" السفارة في العمارة" ليست مجرد ترف فكري، بل هي قراءة في كواليس" الحرب الفضائحية" والسياسية التي تمارس خلف الستارالمنطقة العازلة.
بين الجغرافيا والسياسةوإذا أسقطنا ملفات إبستين على المناطق العازلة في كل من غزة وسوريا ولبنان التي فرضتها إسرائيل وحولتها إلى أداة أمنية تفعل ما يحلو لها بقوة السلاح، يمكن القول إن نتنياهو نجح في خلق" منطقة عازلة سياسية" تحمي مصالحه داخل واشنطن.
حيث يتم تهجير أي معارضة حقيقية لسياساته عبر التهديد بكشف المستور، تماما كما يهجر المدنيون من قراهم وأراضيهم، وما إقالة عشرات المسؤولين سياسيين كانوا أم عسكريين إلا لأنهم رفضوا الحرب وطلبوا من ترمب عدم الانصياع لنتنياهو.
وفي الختام، المقارنة بين ملفات إبستين وفيلم" السفارة في العمارة" ليست مجرد ترف فكري، بل هي قراءة في كواليس" الحرب الفضائحية" والسياسية التي تمارس خلف الستار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك