في ظاهر الخطاب السياسي، تبدو الدعوات إلى" السلام" في المنطقة امتدادا طبيعيا لمسار طويل من التفاوض ومحاولات احتواء الصراع.
غير أن التدقيق في مضمون هذا المفهوم يكشف تباينا عميقا في دلالاته بين الفاعلين الرئيسيين.
فبينما يفترض أن يشير السلام إلى تسوية متوازنة تنهي النزاع وتؤسس لاستقرار مستدام، يبرز في المقابل تصور يعيد تعريفه بوصفه أداة لإعادة تشكيل موازين القوة، لا عبر التوافق بل من خلال الإخضاع وفرض الشروط بالقوة.
في هذا السياق، يتحول لبنان إلى مساحة مركزية لاختبار هذه الرؤى المتعارضة، حيث يتقاطع مشروع إسرائيلي يسعى إلى فرض واقع أمني وسياسي جديد، مع مقاربة إيرانية ترى في الصراع مع إسرائيل مسألة بنيوية لا يمكن تسويتها عبر التفاوض التقليدي.
وبين هذين التصورين، تبرز الولايات المتحدة كفاعل حاسم، لا بوصفها وسيطا محايدا، بل كطرف يمتلك مفاتيح التأثير في مسار الحرب والتسوية معا.
ومن هنا، لم يعد السؤال يدور حول إمكانية الوصول إلى سلام، بل حول طبيعة هذا" السلام"، ومن يملك تعريفه وفرضه في واقع إقليمي شديد التعقيد.
لا تقتصر المقاربة تجاه لبنان على البعد العسكري، بل تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل بنيته السياسية الداخلية بما يخدم توازنات إقليمية جديدةتفكيك مفهوم السلام.
من التسوية إلى الإخضاع في الرؤية الإسرائيليةلا يمكن فهم التحركات الإسرائيلية في لبنان دون إعادة النظر في المعنى الذي تضفيه إسرائيل على مفهوم" السلام".
فبعيدا عن التصور التقليدي القائم على التوازن وإنهاء النزاع عبر التفاوض، يتجه هذا المفهوم نحو إعادة إنتاج العلاقة مع الخصوم على أساس الحسم والإخضاع.
وبذلك، لا يصبح السلام نتيجة لتسوية، بل امتدادا للقوة بوسائل مختلفة تفرض من خلالها شروط طرف واحد.
يتجلى هذا التحول في المقاربة الإسرائيلية تجاه الجنوب اللبناني، حيث لا يقتصر الهدف على تحقيق أمن حدودي مؤقت، بل يمتد إلى محاولة فرض واقع جغرافي وأمني جديد يقوم على إفراغ المنطقة من عناصر التهديد، وتحويلها إلى نطاق عازل يمتد حتى الليطاني.
هذا التصور لا يعكس مجرد إجراء عسكري ظرفي، بل يحمل ملامح مشروع طويل الأمد يعيد رسم حدود السيطرة الفعلية، ويؤسس لمرحلة قد تتجاوز التحييد العسكري إلى إعادة هندسة المجال ذاته.
وما يعزز هذا الاتجاه هو وجود شبه إجماع داخل إسرائيل على ضرورة إعادة تنظيم الجنوب اللبناني جذريا، ليس فقط لحماية الداخل، بل لضمان غياب أي تهديد مستقبلي.
وهنا، يتحول" السلام" إلى حالة من الغياب القسري للطرف الآخر، حيث يعاد تعريف الاستقرار على أساس إلغاء قدرة الخصم على الفعل، لا على أساس التوصل إلى صيغة تعايش معه.
تتبنى إيران تصورا مختلفا لطبيعة الصراع، لا يقوم على إمكانية تسويته عبر التفاوض، بل على كونه صراعا بنيويا ممتدا.
فمن وجهة نظرها، لا تؤدي الاتفاقات إلى استقرار حقيقي، بل تمنح إسرائيل مساحة لإعادة ترتيب أدواتهالبنان كساحة إعادة تشكيل: بين الفصل الداخلي وإعادة توزيع النفوذلا تقتصر المقاربة تجاه لبنان على البعد العسكري، بل تمتد إلى محاولة إعادة تشكيل بنيته السياسية الداخلية بما يخدم توازنات إقليمية جديدة.
فإلى جانب فرض واقع ميداني في الجنوب، يظهر توجه يستهدف تفكيك الروابط التي تجعل من لبنان جزءا من معادلة أوسع تقودها إيران، عبر الدفع نحو فصل مكونات الساحة اللبنانية عن بعضها، خاصة ما يعرف بالثنائي الشيعي.
يقوم هذا التصور على فرضية أن هذه العلاقات قابلة لإعادة الصياغة، وأنها ليست بالضرورة بنيوية أو غير قابلة للتفكيك.
ومن هنا، يبرز الرهان على إعادة توزيع الأدوار داخل النظام اللبناني، ومنح بعض القوى المحلية هامشا أكبر لإحداث توازن جديد يضعف من ترابط هذه المكونات، ويفتح المجال أمام إعادة تموضع لبنان خارج دائرة النفوذ الإيراني.
غير أن هذه المقاربة لا تعكس مجرد إدارة للأزمة، بل تشير إلى مشروع أعمق لإعادة تعريف موقع لبنان في الإقليم.
فبدل أن يبقى ساحة تداخل بين مشاريع متنافسة، يراد له أن يتحول إلى مساحة قابلة للضبط، سواء عبر تحييده عن الصراعات أو إدخاله في ترتيبات سياسية جديدة.
وهنا، لا يعود الصراع محصورا في خطوط المواجهة التقليدية، بل ينتقل إلى داخل البنية السياسية ذاتها، حيث يصبح التوازن الداخلي جزءا من معركة النفوذ الإقليمي.
تبقى الولايات المتحدة الفاعل القادر على ترجيح أي مسار، سواء عبر الدفع نحو التهدئة أو إبقاء الصراع مفتوحا، لكن ضمن حسابات إستراتيجية تجعل أي تسوية رهينة بإرادة القوى الكبرىمن التفاوض إلى الصراع البنيويفي مقابل المقاربة الإسرائيلية، تتبنى إيران تصورا مختلفا لطبيعة الصراع، لا يقوم على إمكانية تسويته عبر التفاوض، بل على كونه صراعا بنيويا ممتدا.
فمن وجهة نظرها، لا تؤدي الاتفاقات إلى استقرار حقيقي، بل تمنح إسرائيل مساحة لإعادة ترتيب أدواتها ومواصلة عملياتها.
ومن هنا، لا ينظر إلى التفاوض كحل، بل كأداة ضمن صراع أوسع تحدده موازين القوة.
ولا يقتصر هذا التصور على الساحة اللبنانية، بل يمتد إلى الإقليم ككل، حيث يعاد تفسير التحركات الإسرائيلية بوصفها جزءا من مشروع أوسع، ما يفسر الإصرار على إبقاء لبنان ضمن هذه المعادلة وعدم فصله عن باقي الملفات.
في المقابل، تطرح الولايات المتحدة تصورا يقوم على فصل الساحات واحترام سيادة الدول، رافضة أن تكون إيران فاعلا مؤثرا داخل دول أخرى عبر شبكات نفوذ عابرة للحدود.
غير أن هذا الطرح يصطدم برؤية إيرانية تعتبر هذا النفوذ جزءا من توازن الردع، وليس مجرد تدخل يمكن التخلي عنه.
وهنا يتجلى جوهر الخلاف: ليس حول تفاصيل تفاوضية، بل حول طبيعة النظام الإقليمي ذاته.
وبين هذين التصورين، تبقى الولايات المتحدة الفاعل القادر على ترجيح أي مسار، سواء عبر الدفع نحو التهدئة أو إبقاء الصراع مفتوحا، لكن ضمن حسابات إستراتيجية تجعل أي تسوية رهينة بإرادة القوى الكبرى، لا فقط الأطراف المحلية.
في ظل غياب اتفاق على تعريف السلام ذاته، لا يبدو أن السؤال المطروح هو متى ينتهي الصراع، بل أي شكل سيتخذه في المرحلة المقبلةفي ضوء هذه التداخلات، يتضح أن ما يطرح تحت عنوان" السلام" لا يعكس نهاية للصراع، بقدر ما يعكس إعادة تعريف له وفق موازين قوى متغيرة.
فبين رؤية تسعى إلى فرض الاستقرار عبر الإخضاع، وأخرى ترى الصراع بنيويا لا يحسم بالتفاوض، تبقى الساحات المفتوحة، وعلى رأسها لبنان، مجالا لتقاطع مشاريع متعارضة أكثر مما هي مساحة لتسويات نهائية.
وعليه، لا يمكن قراءة المسارات الجارية باعتبارها خطوات نحو حل شامل، بل كجزء من عملية أوسع لإعادة ترتيب الإقليم، حيث يعاد توزيع النفوذ وتختبر حدود الفاعلين وقدرتهم على فرض تصوراتهم.
وفي ظل غياب اتفاق على تعريف السلام ذاته، لا يبدو أن السؤال المطروح هو متى ينتهي الصراع، بل أي شكل سيتخذه في المرحلة المقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك