* فكر عبقري جزائري في مواجهة بربرية العالم المعاصرالجزء الأول: الرجل، العمل، أسلحة الفهممالك بن نبي (1905–1973) هو أكثر المفكرين الكبار في القرن العشرين تهميشًا ومنهجيةً في التجاهل.
مهندس جزائري متعدد اللغات ومحلل حضاري، صاغ — قبل عقود من هنتنغتون وناي وفوكوياما — منظومةً من الأدوات التحليلية ذات صلة معاصرة مذهلة: القابلية للاستعمار، والثلاثية الحضارية، والعولمة الهيمنية، والصراع الأيديولوجي، وخط أنابيب الخيانة.
تُقدّم هذه المقالة، الأولى، الرجلَ وعناصره المفاهيمية الخمسة الكبرى، وتُثبت أن منهجية بن نبي تُشكّل أدقَّ قراءة غير غربية متاحة لفكّ شفرات الصراعات التي تُمزّق الشرق الأوسط — من غزة إلى طهران — وللتراجع البنيوي للهيمنة الغربية.
أما الجزء الثاني فسيُطبّق هذه الأدوات على أفغانستان والعراق ولبنان واليمن وإيران والخليج والغرب ذاته.
«لا استعمارَ بلا قابلية للاستعمار.
ومن أراد التحرر من الأثر — الاستعمار — وجب عليه أن يتحرر أولًا من السبب: القابلية للاستعمار.
» — مالك بن نبي، شروط النهضة، الجزائر، 1949تمهيد: شبح في غرفة العملياتثمة موتى يحكمون الأحياء بقدر من الوضوح يفوق ما يحكم به الأحياء أنفسَهم.
مالك بن نبي واحد من هؤلاء.
وُلد في قسنطينة عام 1905، ابنًا لبلد مستعمَر لم يكفّ عن تساؤله — بما في ذلك تساؤله عن إخفاقاته الذاتية — ومات في لا مبالاة رسمية في أكتوبر 1973 بالجزائر العاصمة.
لم يتنبأ بشيء بالمعنى المبتذل للكلمة؛ بل فعل ما هو أشق من ذلك بكثير: فهم المنطقَ العميق للحضارات، وكتبه — بدقة المهندس ورؤية النبي — قبل خمسين عامًا من أن يُمليه التاريخُ على العالم كحكم مبرم.
ما نشهده اليوم — غزة في الركام، وإيران تحت القصف، ولبنان يُنزَف من جديد، واليمن منسي تحت الأنقاض، والعراق لم يُعمَّر قط، والخليج ممزق بين الاستسلام والبقاء، والغرب مخمور بتحلله الذاتي — كل هذا قد شرّحه بن نبي في كتبه.
لا كعرّاف في سوق الغيب، بل كـ«طبيب حضارة» — على حد تعبير نيتشه.
هذه الدراسة ليست إكراهًا.
فالإكراهات تدفن المفكرين تحت حجر مصقول.
هي رحلة عبر الزمن — قراءة جيوسياسية مسلحة: سنُعيد بن نبي إلى القرن الحادي والعشرين، ونُخضعه لملف الشرق الأوسط والعالم المشتعل.
وسنرى، بوضوح يبلغ حد الدهشة، أن مقولاته التحليلية — القابلية للاستعمار، العولمة الهيمنية، أزمة الحوافز، الصراع الأيديولوجي، الإنسان ما بعد الموحدي، خط أنابيب الخيانة — ليست مفاهيم أكاديمية: إنها أسلحة فهم شامل.
أولًا — الرجل والعمل: عبقري جزائري يتيّمه التاريخمالك بن نبي ابن قسنطينة في الجزائر المستعمَرة، تخرّج من مدرسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بتأثير عبد الحميد بن باديس، ثم أُوفد لدراسة الهندسة الكهربائية في باريس في ثلاثينيات القرن الماضي حيث اصطدم بعنصرية مؤسسية منهجية.
يحمل في ذاته، منذ المراهقة، جرحَ حضارة مهزومة ومشرطَ المحلل في آن واحد.
ليس معادِيًا للغرب: فقد قرأ ديكارت ونيتشه وبرغسون وماركس.
إنه معادٍ للقابلية للاستعمار — أي معادٍ للاستسلام الداخلي.
في عام 1947، عشية اعتقاله من قِبل السلطات الاستعمارية الفرنسية، صاغ ما سيصبح «شروط النهضة».
وجاءت جملته الصاعقة: «لا استعمارَ بلا قابلية للاستعمار.
»بسطرين، فجّر خطاب الضحية بأكمله لجيل بأسره.
يقول: أنتم مسؤولون عن قيودكم.
ليس هذا تبرئةً للاستعمار، بل هو برنامج تحرر.
يمتد عمله على أكثر من عشرين مجلدًا بثلاث لغات، من بينها: «الظاهرة القرآنية» (1947)، «شروط النهضة» (1949)، «وجهة العالم الإسلامي» (1954)، «الأفروآسيوية» (1956)، «الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة» (1962)، «مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي» (1970)، «وجهات الجزائر» (1964)، فضلًا عن مجموعتَي «القابلية للاستعمار» و«العولمة» المنشورتَين بعد وفاته.
إنه عمل نادر الاتساق الداخلي: كل كتاب فصلٌ من رسالة واحدة في شروط وجود الحضارات وشروط بقائها.
في القاهرة، حيث أقام في المنفى منذ 1956، عاصر في الزمن الحي ولادة الناصرية والبعثية وحركة عدم الانحياز.
كان مراقبَها الواعي ومحللَها الصارم.
في عام 1960 في المعادي، أتم «الصراع الفكري في البلاد المستعمَرة»، وهو كتاب استبق بثلاثين عامًا ما أسماه جوزيف ناي «القوة الناعمة».
عاد إلى الجزائر عام 1963 مديرًا للتعليم العالي.
غير أن الجزائر المستقلة، المخمورة بالقومية المنتصرة والحساسة من النقد الداخلي، ستُخنقه.
ميثاق الجزائر عام 1964 استهدفه بالاسم.
رحل في 31 أكتوبر 1973.
يرقد في مقبرة بالجزائر العاصمة إلى جوار عملاقين آخرين من تاريخ الجزائر: الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ونجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.
كان اسمه قد تداوله المثقفون باعتباره جديرًا بجائزة نوبل — اعتراف حرمه منه التاريخ.
هكذا يفعل التاريخ في أغلب الأحيان بأعظم عقوله: يدفنها أحياءً، ثم يستخرجها حين يفوت الأوان.
«كنت أخشى أن أموت في سجون المستعمِر دون أن أترك للجزائر، لإخوتي المسلمين، أسلوبًا في النهضة — بعدما رأيتهم يُضيّعون أحسن سنواتهم في تفاهات.
» — مالك بن نبي، مقدمة شروط النهضة، 1956ثانيًا — صندوق الأدوات: مفاهيم بن نبي أسلحةً تحليليةثمة خمسة مفاهيم كبرى تُشكّل قواعد بن نبي.
سيتم توظيف كل منها في دراسات الحالة الجيوسياسية اللاحقة.
نعرضها هنا بدقتها الأصلية.
1.
القابلية للاستعمار: المُستعمَر شريكٌ في إنتاج استعمارههذا هو المفهوم الأكثر إثارةً للجدل — والأكثر خصوبةً — في المنظومة.
القابلية للاستعمار ليست الاستعمار: إنها الحالة الداخلية التي تسبق الاستعمار وتستدعيه وتُتيحه.
إنها تُعيّن تحلل الروابط الاجتماعية، والشلل الأخلاقي والفكري، وفقدان الإحساس بالمبادرة التاريخية.
وهي الأمراضية النفسية للإنسان ما بعد الموحدي — ذلك الفرد الذي يصفه بن نبي بأنه قادر على «مد يده لاقتطاف القمر (أمر هيّن في عينيه) وعاجز عن طرد ذبابة من طرف أنفه (أمر مستحيل عنده)».
يُحدد بن نبي أن القابلية للاستعمار ليست عرقية: إنها اجتماعية وتاريخية.
وهي قد تُصيب أي حضارة تفقد السيطرة على أفكارها وروايتها ومؤسساتها.
صيغته البديهية: «لا استعمارَ بلا قابلية للاستعمار.
ومن أراد التحرر من الأثر وجب عليه التحرر من السبب.
»2.
الثلاثية الحضارية: الإنسان + التراب + الوقتكل حضارة حية هي، وفق بن نبي، نتاج تركيب فاعل لثلاثة عناصر: الإنسان (الذات الخلاقة والأخلاقية)، والتراب (مجموع الموارد المادية والطبيعية)، والوقت (القدرة على تسجيل الفعل في الامتداد الزمني).
حين ينهار هذا التركيب — حين يُحبَط الإنسان، ويُستغل التراب من قِبل الآخرين، ويُبدَّد الوقت — ينشأ ما يسميه بن نبي «الشلل الحضاري».
فقد يمتلك شعب أراضي شاسعة وثروات طائلة، ومع ذلك يجد نفسه في تخلف جذري: لأن ثرواته موارد بلا ذات — أشياء بلا رجال قادرين على تحويلها إلى حضارة.
3.
العولمة الهيمنية: الخصوصية متنكرةً في ثوب الكونييُميّز بن نبي تمييزًا صارمًا بين العولمة الهيمنية والكونية الحقيقية.
العولمة الهيمنية هي الاستراتيجية التي تفرض بها القوة المهيمنة معاييرها وقيمها ومؤسساتها تحت لافتة الكوني.
إنهاسطو دلالي: تُصادر القوة المهيمنة لغة الإنسانية لخدمة مصالحها الخاصة.
يُستشهد بـ«حقوق الإنسان» حين تكون المصالح الأمريكية على المحك، ويُسكَت عنها حين يُصبح الحديث عن غزة أو اليمن.
4.
الصراع الأيديولوجي: الحرب الخفية للأفكارفي عام 1960، وصف بن نبي بدقة جراحية الحرب النفسية التي تشنّها القوى الاستعمارية ضد عقول المُستعمَرين.
ابتكر مصطلح «المثقفاني» ليُعيّن المثقفَ الذي يُقلّد الأفكار الأجنبية دون أن يستوعبها، وينقلها دون أن يهضمها، فيصبح بذلك ناقلًا لا إراديًا للهيمنة الثقافية.
هذه الحرب أشد فتكًا من كونها خفية: إنها لا تُخلّف قتلى ولا جرحى جسديين، لكنها تنخر قدرة المجتمعات على التفكير في ذاتها.
5.
خط أنابيب الخيانة: الخيانة بوصفها نظامًافي نصه الأخير، المُحرَّر في 10 فبراير 1973 — بعشرة أشهر من وفاته — يشرع بن نبي في كتابة مقدمة كتاب لن يُكمله: «خط أنابيب الخيانة، أو القنينة التي يرضع منها الخونة».
يصف الخيانة لا بوصفها فعلًا فرديًا، بل نظامًا بنيويًا: شبكة خفية تربط العواصم العربية والإسلامية، تتدفق خلالها الأموال والديماغوجيا والخضوع للقوى الخارجية.
ثمة شكلان من الخيانة: تلك التي تُدمر الروح (القيم والأخلاق والتماسك الاجتماعي)، وتلك التي تُدمر الوسيلة (المؤسسات والموارد والطاقات الإنتاجية).
وكلاهما يُفضي إلى النتيجة ذاتها: الفراغ الاجتماعي.
ـ أمير نور باحث جزائري في العلاقات الدولية، ومؤلف عدة كتب، من بينها وحشية قرننا: الحرب على فلسطين والإنسان الغربي الأخير (Clarity Press، أتلانتا، 2026).
ـ لعلى بشطولة صحفي وباحث جزائري مستقل في الجيوسياسية.
يكتب بانتظام عن الحروب المعاصرة وجيوسياسية العالم الإسلامي في منابر من بينها: Countercurrents، Global Research، Mondialisation.
ca، Réseau International، «يومية وهران»، وSri Lanka Guardian.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك