في أمسية ثقافية احتضنها سطح مبنى دار السرايا التاريخي في مدينة مادبا، أُشهِر كتاب “مسكوكات مدينة مادبا في متحف البنك الأهلي الأردني للنميات” لمؤلفه الدكتور حسن الزيود، وسط حضور ثقافي ورسمي واسع تقدمه رئيس لجنة بلدية مادبا الكبرى المهندس هيثم جوينات، والعين محمد الأزايدة، والفنانة مكادي نحاس، إلى جانب نخبة من المثقفين والباحثين والمهتمين بالتراث والتاريخ والفاعليات الثقافية والاجتماعية.
اضافة اعلانوجاء إصدار الكتاب ثمرة مبادرة ثقافية تبنتها جمعية حضارة مادبا للتراث والثقافة، بعد التواصل مع الدكتور الزيود والاطلاع على كتابه السابق حول مسكوكات عمّان الصادر عن المتحف، حيث جرى اقتراح إعداد كتاب يوثق مسكوكات مدينة مادبا، ليبادر المؤلف إلى الاستجابة سريعًا لهذا المشروع الثقافي الذي رأى فيه توثيقًا لذاكرة مدينة ضاربة في عمق التاريخ والحضارة.
وأدار الأمسية باقتدار الشاعر الدكتور علي الشوابكة، الذي قدّم فقرات الحفل بأسلوب ثقافي مميز، وأدار محاور النقاش والحوار حول أهمية توثيق الإرث الحضاري لمدينة مادبا ودور المسكوكات في قراءة التاريخ الإنساني وتوثيق التحولات الحضارية عبر العصور.
وقال الدكتور الزيود خلال حفل الإشهار إن دراسة المسكوكات ليست مجرد قراءة لقطع معدنية قديمة، بل هي قراءة حقيقية لتاريخ الشعوب وتحولات الحضارات، موضحًا أن المسكوكة كانت على مر العصور وثيقة سياسية وثقافية وفنية تحمل رسائل السلطة التي قامت بإصدارها، وتعكس ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية في زمنها.
وأضاف أن المسكوكات تعد واحدة من أهم الشواهد الحضارية التي تساعد الباحثين والمؤرخين على فهم طبيعة الدول القديمة وعلاقاتها التجارية واتجاهاتها السياسية والدينية، مشيرًا إلى أن الصور والنقوش والرموز التي حفرت على تلك القطع الصغيرة كانت بمثابة لغة إعلامية تخاطب الناس وتوثق الانتصارات والمناسبات والأحداث الكبرى.
وبين أن الإنسان بدأ حياته الاقتصادية بالمقايضة وتبادل السلع قبل أن تتطور مفاهيم القيمة والوزن والختم المعدني وصولًا إلى ظهور النقود بصورتها الأولى، لافتًا إلى أن استخدام المسكوكات انتشر منذ أكثر من ألفين وخمسمائة عام مع اتساع حركة التجارة والتواصل بين الحضارات بعدما لم تعد المقايضة قادرة على تلبية احتياجات الأسواق والتبادل التجاري.
وأكد الزيود أن المسكوكات تمثل أيضًا أعمالًا فنية متناهية الدقة تكشف براعة الفنان القديم وقدرته على توثيق الهوية الحضارية في مساحة صغيرة جدًا، مشيرًا إلى أن دراسة هذه القطع تمنح الباحث فرصة لاكتشاف الكثير من التفاصيل المتعلقة بالصادرات التجارية والرموز الدينية وأنظمة الحكم وطبيعة العلاقات بين الشعوب في تلك الحقب التاريخية.
وأشار إلى أن كتاب “مسكوكات مدينة مادبا” يوثق جانبًا مهمًا من الإرث التاريخي للمدينة، ويعيد تسليط الضوء على مكانتها الحضارية بوصفها إحدى المدن الأردنية الغنية بالشواهد الأثرية والتاريخية، معربًا عن اعتزازه بإهداء هذا العمل من البنك الأهلي الأردني إلى بلدية مادبا الكبرى لعام 2026 تقديرًا لدور مادبا الثقافي والتاريخي.
فيما أشار رئيس لجنة بلدية مادبا الكبرى المهندس هيثم جوينات إلى الدور الذي تلعبه البلدية في دعم الحركة الثقافية والحفاظ على الإرث التاريخي والحضاري لمدينة مادبا، مؤكدًا أن البلدية تولي اهتمامًا كبيرًا بالمبادرات التي توثق تاريخ المدينة وتعزز حضورها الثقافي والسياحي على المستويين المحلي والدولي.
وأوضح جوينات أن إصدار كتاب يوثق مسكوكات مادبا يمثل إضافة نوعية للمكتبة الوطنية وللذاكرة التاريخية للمدينة لما يحمله من معلومات علمية وتوثيقية تسهم في إبراز مكانة مادبا الحضارية الممتدة عبر آلاف السنين، مشيرًا إلى أن البلدية تسعى باستمرار إلى دعم المشاريع الثقافية والمعرفية التي تحافظ على الهوية التاريخية للمدينة وتعرّف الأجيال بتاريخها العريق.
وركّز الباحث والمثقف جورج حدادين خلال مداخلته على العديد من المسائل التاريخية والحضارية التي تبرهن القيمة العميقة للتاريخ الإنساني عبر العصور، مؤكدًا أن الحضارات لا تُقاس فقط بما تركته من مبانٍ وآثار، بل بما حفظته من ذاكرة إنسانية ووثائق وشواهد مادية تعكس مسيرة الإنسان وتطوره الفكري والثقافي والاقتصادي.
وأشار حدادين إلى أن المسكوكات تُعد من أهم الأدلة التاريخية التي توثق حياة الشعوب وتحولات المجتمعات لما تحمله من رموز ونقوش ودلالات سياسية ودينية وثقافية تعكس طبيعة المرحلة التي صدرت فيها، مبينًا أن دراسة هذه القطع الصغيرة تمنح الباحثين قدرة استثنائية على قراءة التاريخ وتحليل طبيعة العلاقات بين الحضارات القديمة.
وبيّن العين محمد الأزايدة أن توثيق تاريخ المدن الأردنية وإبراز إرثها الحضاري يشكلان جزءًا أساسيًا من الحفاظ على الهوية الوطنية والذاكرة الجمعية، مؤكدًا أن مادبا تمتلك رصيدًا تاريخيًا وإنسانيًا كبيرًا يجعلها واحدة من أبرز المدن التي حافظت على حضورها الحضاري عبر العصور.
وأشار الأزايدة إلى أن إصدار كتاب يوثق مسكوكات مادبا يمثل خطوة ثقافية ومعرفية مهمة تسهم في تعزيز الوعي بتاريخ المدينة وإرثها الحضاري، لافتًا إلى أن المسكوكات ليست مجرد أدوات نقدية قديمة، بل وثائق تاريخية تحمل في تفاصيلها ملامح الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعوب التي أصدرتها.
وثمّن الجهود التي بذلها الدكتور حسن الزيود وجمعية حضارة مادبا للتراث والثقافة في إنجاز هذا العمل التوثيقي، مؤكدًا أهمية دعم المشاريع الثقافية والمعرفية التي تحفظ تاريخ الأردن ومدنه وتبرز مكانتها الحضارية للأجيال القادمة.
وشهدت الأمسية تفاعلًا واسعًا من الحضور الذين أكدوا أهمية هذا الإصدار في إثراء المكتبة الأردنية والعربية المتخصصة بعلم النميات ودراسة المسكوكات، باعتباره مرجعًا يوثق جانبًا مهمًا من تاريخ مادبا وحضورها الحضاري الممتد عبر العصور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك