في قلب الوادي الجديد، وتحديدًا شمال الخارجة، يقف جبل الطير كواحد من أبرز المواقع الأثرية والتاريخية التي تحتفظ بأسرار آلاف السنين، جامعًا بين حضارات وعصور مختلفة تبدأ من ما قبل التاريخ مرورًا بالعصر الفرعوني وحتى الحقبة المسيحية، في مشهد فريد يعكس ثراء الواحات المصرية حضاريًا ودينيًا.
ويُعد جبل الطير من المناطق الأثرية التي لا تزال تحتفظ بنقوش ورسومات نادرة محفورة على الصخور، توثق لحياة الإنسان القديم وعلاقته بالطبيعة والحيوانات، فضلًا عن كونه شاهدًا على مراحل مهمة من التاريخ القبطي داخل الواحات.
يبعد جبل الطير نحو 8 كيلومترات شمال مدينة الخارجة، ويصل ارتفاعه إلى نحو 120 مترًا، بينما يمتد وسط تكوينات جبلية وكهوف طبيعية متشابكة جعلته مقصدًا للطيور منذ مئات السنين.
يقول محمود زمزمي، باحث تراث بمدينة الخارجة، إن سبب التسمية بجبل الطير يرجع بحسب روايات أهالي المنطقة والباحثين، إلى أسراب الطيور وخاصة الحمام الجبلي التي اتخذت من شقوق الصخور الضيقة مأوى لها، حيث وفرت هذه الفتحات الطبيعية حماية لصغار الطيور من الحيوانات المفترسة، ما منح الجبل طابعًا فريدًا ارتبط باسمه حتى اليوم.
نقوش ما قبل التاريخ ورسومات قبطيةوتعود أقدم النقوش الموجودة بالجبل إلى الفترة ما بين 4500 و3000 قبل الميلاد، حيث تظهر رسوم للإنسان والحيوانات على الصخور، في دلالة واضحة على استيطان المنطقة منذ آلاف السنين.
ويقول منصور عثمان، مدير الآثار القبطية والإسلامية السابق بالوادي الجديد، في تصريحات خاصة لمصراوي، إن جبل الطير يضم شواهد أثرية قبطية مهمة تعكس فترة الاضطهاد الروماني للمسيحيين، موضحًا أن الأقباط احتموا بالجبل لممارسة عباداتهم بعيدًا عن أعين الرومان.
وأضاف أن “كهف مريم” يُعد من أبرز معالم الجبل، ويقع على ارتفاع يصل إلى 200 متر، ويحتوي على نقوش ورسومات للصليب وكتابات دينية محفورة على الصخور، من بينها عبارات منسوبة لراهب يُدعى أرسنيوس جاء فيها: “أتيت لهذا المكان لأتفرغ لعبادة ربي وأرى العالم الصغير من موقعي”.
وأشار عثمان إلى أن المنطقة تضم آثارًا أخرى توثق طبيعة معيشة الأقباط داخل الجبل، رغم وعورة التضاريس وندرة المياه، وهو ما يثير تساؤلات الباحثين حول كيفية تأقلمهم مع هذه الظروف القاسية.
وتبلغ مساحة منطقة جبل الطير نحو 4.
5 فدان، وتضم عددًا كبيرًا من التلال والكهوف الصخرية، فيما تستقبل المنطقة زوارًا وسائحين من مختلف الجنسيات، رغم صعوبة الوصول لبعض المواقع الداخلية دون الاستعانة بمرشدين سياحيين.
وقال محمد محسن، المرشد السياحي بالوادي الجديد، إن كهف مريم يُعد من أبرز المزارات السياحية بالمنطقة، لاحتوائه على رسومات وكتابات تعبر عن التعاليم المسيحية، لكنه يعاني من الإهمال وضعف الاهتمام من الجهات المختصة.
وأضاف أن الجبل يضم نقوشًا ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ، إلى جانب نقوش قبطية تعود إلى القرون الرابع والخامس والعاشر الميلادي، موضحًا أن الأقباط الذين عاشوا بالمنطقة نقشوا صلواتهم ورموزهم الدينية على الصخور تعبيرًا عن إيمانهم.
ورغم القيمة التاريخية والدينية الكبيرة لجبل الطير، فإن المنطقة تعاني من غياب التطوير وعمليات الترميم، ما تسبب في تعرض كثير من النقوش والرسومات للتلف.
وقال الأثري جابر حسن، مفتش آثار منطقة الخارجة، إن تجاهل المنطقة يمثل خسارة كبيرة للسياحة في الوادي الجديد، مؤكدًا أن تطوير الموقع يمكن أن يسهم في تنشيط السياحة وخلق فرص عمل للشباب.
وأضاف أن النقوش الموجودة بالموقع توثق رحلة الأقباط ومعاناتهم داخل الواحات، لكنها مهددة بالاختفاء نتيجة الإهمال والعوامل الطبيعية.
علاقة جبل الطير بمدينة البجواتويقع جبل الطير بالقرب من البجوات، وهي واحدة من أقدم المدن الجنائزية المسيحية في مصر، وتضم ثاني أقدم كنيسة مصرية إلى جانب مقابر تاريخية تُعرف باسم “مدينة الموتى” أو “مدينة الخلود”.
وقال محمد إبراهيم، مدير آثار الوادي الجديد، إن مقابر البجوات كانت تُستخدم قبل دخول المسيحية إلى الواحات، ثم تحولت لاحقًا إلى مدافن للأقباط بعد انتشار الديانة المسيحية.
وأوضح أن الجبانة تضم 263 مزارًا أثريًا، من أبرزها مزارا “الخروج” و”السلام”، واللذان يحتويان على رسومات دينية وقصص للأنبياء.
درب الأربعين والنقوش المطموسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك